معادلة أمريكية… انتخابات تقترب ومعارك الهامشية تشتد
عتاب منصور عتاب منصور

معادلة أمريكية… انتخابات تقترب ومعارك الهامشية تشتد

تقترب الولايات المتحدة من موعد الانتخابات النصفية المزمع عقدها في تشرين الثاني المقبل، وتؤثر هذه الانتخابات بشكل كبير على عمل الرئيس وحزبه، وخصوصاً في حال خسارة الديمقراطيين أغلبيتهم الضئيلة في الكونغرس ومجلس الشيوخ، وهو المرجح، مما سينتج حالة من الشلل لدى الإدارة الحالية التي تواجه أصلاً صعوبات في تمرير سياساتها.

ما يثير الانتباه، هو طبيعة القضايا الخلافية التي بدأت تظهر على السطح، تمهيداً لمعركة سياسية بعيدة كل البعد عن المشاكل الكبرى التي تعاني منها الولايات المتحدة.

مشاكل غير مسبوقة وقضايا هامشية

تعتبر هذه الأيام التي تعيشها الولايات المتحدة من أقسى أيامها، حتى أن الأرقام الكارثية للاقتصاد الأمريكي هي الأسوأ منذ 40 عاماً، ووصلت في بعض القطاعات إلى درجات غير مسبوقة. فقد سجلت أسعار المواد الغذائية زيادة لأكثر من 10% بينما ارتفعت أسعار الوقود بما يزيد عن 34% منذ آذار الماضي. بالإضافة إلى تراجعات ملحوظة في أسواق الأسهم الأمريكية، والآثار الكبرى التي ستلحق رفع معدلات الفائدة التي يقوم بها البنك الفيدرالي الأمريكي. وفي الوقت نفسه، يجري تغييب كل هذا وغيره الكثير من المسائل الكبرى التي باتت تشكّل تهديداً حقيقياً على استقرار حياة الأمريكيين، ويجري ذلك بشكل مقصود، فعلى الرغم من درجة السخط الشعبي المرتفع بسبب زيادات الأسعار، إلا أن ملامح المعركة الانتخابية القادمة لا تركز على هذه المسائل! بل تعمل النخب الحاكمة لتخلق معارك ثانوية وبتواطؤ الجمهوريين والديمقراطيين معاً، وخير مثالٍ على ذلك: هو قانون تجريم الإجهاض منذ بدء الحديث عنه مروراً بإقراره من قبل المحكمة الدستورية العليا، ووصولاً إلى استنكار الرئيس الحالي لهذا القانون، وإعلانه السعي لتغييره في المستقبل.

ما الغرض من كل هذا؟

القضايا التي بدأت ملامحها تتضح كمسألة الإجهاض، وقانون حيازة الأسلحة، وغيرها من المواضيع تتحول بمساعدة وسائل الهيمنة الأمريكية إلى قضايا أساسية لدى الرأي العام، وتحجز الموقع الأبرز في برامج المرشحين ومناظراتهم، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى انشغال الأمريكيين في هذه المعارك الجانبية، والتي رغم أهمية بعضها بالنسبة للمجتمع، إلا أنها لا تعد خطراً حقيقياً إذا ما قورنت مثلاً بالاحتمال القائم لانهيار الاقتصاد الأمريكي، وما سينتج عنه من كوارث اجتماعية!
بل إن مراقبة تطور بعض هذه المسائل الهامشية يؤكد أن صلاحيتها قد تكفي لأكثر من دورة انتخابية واحدة، مما يشكل مادة دسمة لسجال عقيم قادر على أن يمتد لسنوات، وبعد أن تنجح الطبقة المهيمنة في تحديد هذه القضايا بوصفها القضايا المهمة والأساسية الوحيدة في حياة الأمريكيين، يصبح فوز الجمهوريين أو الديمقراطيين مسألة شكلية، بعد أن جرى تحديد برامجهم السياسية مسبقاً على أساس «مؤيد للإجهاض» ومعارض له حسب مثالنا السابق.

تفسير إضافي للمسألة

لا يمكن التعبير عن درجة الانقسام الأمريكي الشديدة في إطار الانقسام الشكلي جمهوري/ ديموقراطي حتى وإن جرى احتواؤها لفترة مؤقتة ضمن هذا الشكل. وتستطيع هذه المعارك الهامشية المفتعلة التحكم بمزاج الأمريكيين الانتخابي لا عبر طرح القضايا أمامهم كما هي، ليختاروا ما يعبر عن مصالحهم، بل على العكس تماماً. فقرار المحكمة الدستورية العليا حول مسألة الإجهاض، والذي يرفضه الرئيس الأمريكي جو بايدن يمكن أن يؤثر على مزاج شرائح محددة من المجتمع، والتي كانت ميالة في الانتخابات السابقة للرئيس دونالد ترامب. فإذا نظرنا إلى جو بايدن وترامب لا بوصفهما ديمقراطي وجمهوري بل بوصفهما ممثلين عن تيارين متناقضين داخل النخب الأمريكية، ندرك حينها أن معارك هامشية من هذا النمط يمكن استخدامها بشكّل فاعل لمصلحة أحد التيارات، بعد دفع مزاج الناخبين باتجاه محدد معروف مسبقاً.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1077