روسيا والصين والعالم بعد الحرب العالمية الثانية

روسيا والصين والعالم بعد الحرب العالمية الثانية

باتت العلاقات الروسية الصينية تشكّل موضوعاً شبه دائم في وسائل الإعلام، وتشغل أخبارها وتطوراتها معظم الدول، لتأثير هذه العلاقات على معظم الملفات الدولية الأساسية إن لم يكن جميعها! لكن وعند قراءة الكثير من الأخبار أو حتى البيانات الرسمية الصادرة من البلدين، يبدو كما لو أن الحديث نفسه يتكرر دائماً، فما هي المجالات التي تتطور فيها هذه العلاقات؟ وما الجديد فيها؟

استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين في بكين يوم الجمعة 4 من شهر شباط الجاري، هذه الزيارة التي تتزامن مع افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي تستضيفها الصين تحمل نكهة خاصة، ولاقت نتائجها المعلنة كثيراً من الاهتمام، فمن جهة تعتبر هذه الزيارة الأولى التي يلتقي فيها الرئيسان وجهاً لوجه منذ جائحة الفيروس التاجي، أما أهميتها فتنبع من النتائج الكثيرة والمتنوعة التي رافقت هذه الزيارة وكان أبرزها هو: البيان المشترك الذي أعلن فيه الطرفان دخول العلاقات الدولية عهداً جديداً.

ما الذي جاء في الوثيقة المشتركة؟

جرى التوقيع على هذه الوثيقة في 4 شباط، أي يوم وصول الرئيس الروسي، ويبدو واضحاً الإعداد المتأني لهذه الوثيقة التي كانت حدثاً متوقعاً في هذه الزيارة، وجرى نشر نصها الكامل في اليوم ذاته لتصبح بمثابة إعلانٍ علني ورسمي، وهذا ما زاد من قيمة مضمونها. فالوثيقة تتألف من مقدمة يتلوها 4 أقسام موسعة.
في قسمها الأول: أعادت التأكيد على قناعة روسيا والصين الراسخة بعدم وجود نموذج واحد للديمقراطية يناسب الجميع في هذا العالم، ولذلك تمسك الإعلان بحق الأمم في اختيار النموذج الذي يناسب نظامها الاجتماعي والسياسي، وخلفيتها التاريخية، وتقاليدها وخصائصها الثقافية الفريدة، واعتبر الجانبان «روسيا والصين» أن محاولات البعض لفرض «معايير محددة» من شأنه أن يؤثر على السلام والاستقرار العالمي والإقليمي. أما أبرز ما جاء في قسمها الثاني: يمكن تكثيفه بأن كلاً من موسكو وبكين تريان أن التعاون على المستوى العالمي بات يشكّل أساساً في التنمية، وخصوصاً عندما يجري هذا التعاون على أساس المصالح المشتركة للشعوب، وفي هذا السياق، جرى التأكيد مجدداً على ضرورة تدعيم الترابط بين مشروع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومبادرة الحزام والطريق، بهدف تكثيف الترابط بين منطقتي آسيا والمحيط الهادئ ومنطقة أوراسيا، والذي من شأنه بناء شراكة أوروبية آسيوية كبرى تصب في مصلحة شعوب القارتين.
يمكننا القول: إن القسم الثالث في هذا الإعلان كان له نكهة خاصة، وشكّل مضمونه مادة استفزازية للغرب ووسائل إعلامهم، ففي هذا القسم أكد البلدان على مبدأ الأمن العام غير القابل للتجزئة، وأكدت موسكو وبكين دعمهما لمصالحهما الجذرية وسيادتهما ووحدة أراضيهما، ومعارضة تدخل القوة الخارجية في شؤونهما الداخلية، وفي هذا السياق، أعادت موسكو التأكيد على تمسكها بمبدأ «الصين الواحدة»، وأعلن البلدان رفضهما لتقويض الأمن والاستقرار في المناطق المتاخمة والمشتركة بينهما، وعزمهما مواجهة تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة تحت أية ذريعة، بالإضافة لمعارضة الثورات الملونة. وأعلنت الوثيقة رفض الصين وروسيا كلّ ما من شأنه تقويض الاستقرار الاستراتيجي العالمي، مثل: توسع حلف الناتو، وتشكيل تحالف «أوكوس» الذي يضم الولايات المتحدة وأسترالية وبريطانيا، ودعا الرئيسان في الوثيقة كل القوى النووية إلى ضرورة تقليص الاعتماد على الترسانات النووية، وسحب كافة أسلحتها النووية المنتشرة خارج حدودها. وتطرقت الوثيقة إلى مبادرة الضمانات الأمنية الروسية، ودعا البلدان الولايات المتحدة للتجاوب مع المقترح الروسي بعد أن أكدت الصين دعم وجود نظام كهذا ملزم للضمانات.
أما أبرز ما جاء في القسم الثالث والأخير: هو تصميم روسيا والصين على التصدي لمحاولات مراجعة نتائج الحرب العالمية الثانية، وكل ما من شأنه تقويض النظام العالمي الذي تشكّل بعدها.

الجديد والنوعي

تستحضر الذاكرة عند قراءة هذه الوثيقة كثيراً من العبارات التي سبق استخدامها، فالعلاقات بين الصين وروسيا كانت تشهد تطوراً مستمراً، وكان هذا التطور يلقى اهتماماً سياسياً واعلامياً من قبل الطرفين وعلى أعلى المستويات، لكن التأكيد دائماً على متانة هذه العلاقات يعني في كل مرة إعلاناً جديداً على إحباط المحاولات الغربية المستمرة لتقويضها، فموسكو وبكين تدركان حجم الرهان الغربي على تدمير أواصر الصداقة بين بلديهما ولذلك أصبح من البديهي للقيادة السياسية للدولتين ضرورة التمسك بهذه الصداقة وتمتينها بشكلٍ مستمر، لكن ما يثير الانتباه هذه المرة هو جملة من المسائل، ربما يكون أولها: هو التأييد العلني والمكتوب من قبل الصين لمبادرة الضمانات الأمنية الروسية، لا لمجرد كونها آلية لتخفيف التوتر على الحدود الروسية، بل بوصفها خطوة استراتيجية هامة ستغير كل قواعد اللعبة على الساحة العالمية، ولعل إصرار الوثيقة في سطورها الأخيرة على تمسكها بنتائج الحرب العالمية الثانية، ورفض زعزعة النظام العالمي الذي نشأ بعدها، إنما هو تأكيد جديد على أن الصين تقف مع روسيا ومستعدة للعمل معها لدفع الولايات المتحدة إلى حدودها الطبيعية والمعقولة، فالولايات المتحدة استفادت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية من حجم الدمار العالمي لتقدم نفسها كأكثر الأطراف موثوقية بالمعنى الاقتصادي، مما شكّل مع الزمن وبعد تثبيت الدولار كعملة عالمية- والتنصل من تغطيته بشكلٍ فعلي- آلية لنهب ثروات العالم. لتصل الولايات المتحدة في نهاية المطاف وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي للهيمنة المطلقة على العالم، ونهب ثروات مناطق جديدة.
إعلان التمسك بنتائج الحرب، والعالم الذي نشأ بعدها، يعني تمسكاً روسيا صينياً بمركزهما على الساحة الدولية، شأنهما شأن الأطراف الأخرى التي جرى تهميشها على حساب «السرطان الأمريكي» الذي دخل اليوم مرحلة تراجع الشامل. فيدرك الجميع اليوم أن نجاح روسيا في تجنب الصدام في أوروبا يعني أن احتمالات الصين في تجنب الصدام في آسيا ستكون مرتفعة أيضاً، مما يعني حسم المعركة دون قتال، وهو ما من شأنه نقل الصراع إلى مرحلة أخرى ينخفض فيها بشكلٍ ملحوظ حجم التهديد الذي يخيم على البشرية اليوم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1056
آخر تعديل على الأربعاء, 09 شباط/فبراير 2022 13:00