الثورة الممولة والرقص على «مزمار الملك»

الثورة الممولة والرقص على «مزمار الملك»

ما هي المخاطر التي تواجه حركة «حياة السود مهمة»؟ وكيف تجري محاولات تطويق الحركات السياسية في محاولة لحرفها عن هدفها النهائي؟ 

حوار: جيف براون
ترجمة: ديما النجار

يجري نقاش هذه الأفكار وغيرها في هذا الحوار الذي أجراه الباحث والصحفي جيف براون مع موميا أبو جمال العضو السابق في حزب الفهود السود، والناشط السياسي والإعلامي الأمريكي، والذي اعتقل منذ عام 1981 على خلفية اتهامه بقتل رجل شرطة في مدينة فيلادلفيا، يحاول الاثنان عرض بعض من آرائهم حول المنظمات السياسية التي تسعى إلى التغيير في الولايات المتحدة. ويتمتع جيف براون وأبو جمال بقاعدة بيانات واسعة حول تاريخ النضال السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، والحركة الثورية العالمية، فبراون عمل وأقام في الصين لفترة طويلة، وكتب عن تجربة الثورة الصينية. أما أبو جمال وعلى الرغم من أنه قضى حتى يومنا هذا 38 سنة في السجن، إلا أنه يطّل بفترات متقطعة عبر لقاءات صحفية، أو مؤلفات كتبت من داخل السجن.
فيما يلي جزءٌ من حوار طويل نشر في جريدة «اليونغه فلت» الألمانية:

الستينات والحركات السياسية

براون: رفيق موميا، كيف تطور وعيك السياسي كإفرو- أمريكي نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما الذي دفعك لخوض النضال من أجل التغيير الاقتصادي الاجتماعي لأجل الـ «99%» من مجتمعنا؟
موميا: كانت الستينات فترة حراكات جماهيرية متنوعة. دارت بعضها حول التحرر الوطني والحريات وتقرير المصير مقابل قمع الدولة، كما كانت نضالاً ضد الحروب الإمبريالية كما في فيتنام. بالنظر إلى تلك الفترة، فقد كانت فترة فيها الكثير من الحراك الاجتماعي الذي تبنى رؤى تسعى إلى بلد يخلو بشكل أساس من العبودية والقمع. الموجة النضالية لجيل كامل التهبت عبر هذه الرؤئ التحررية العميقة. على الأقل بدت كذلك.
ثم مدّ النظام كل مخالبه في محاولة لتفريق الناس، حدث هذا بشكل أساس عبر التفريق العنصري، فتزعزعت وحدة الناس، واغترب الناس عن بعضهم البعض. وجرى استهداف الحركات التي تأسست، والتي كان قد ملأها الأمل في التغيير الاجتماعي، أو كما قالت الأنثروبولجية الأمريكية مارغريت ميد: «لم يكن يحدوهم شك أبداً، بأن مجموعة صغيرة من المواطنين المفكرين والملتزمين قادرين على تغيير العالم» بالنسبة لي كان من المهم جداً أنني نشأت في ذلك الوقت.

إغراق الحركة بالأموال المشبوهة

براون: اليوم حركة «حياة السود مهمة» متواجدة بقوة في الإعلام السائد، كما أنها تحصل على دعم رسمي واسع. لكن ليست جميعها تتناسب مع الصورة الوردية لثورة. فمثلاً مؤسسة فورد «Ford Foundation» إحدى أقوى المؤسسات الخاصة المانحة عالمياً، مع منظماتها غير الحكومية، دعمت الحركة على مر ست سنوات بدءاً من نشأتها بمئة مليون دولار. ومن فترة قصيرة قامت كذلك مؤسسة المجتمع المفتوح «Open Society Foundation» التابعة لجورج سوروس بضخ 220 مليون دولار في المجموعات التي تناضل من أجل المساواة وضد الفاشية.

إن مؤسسة فورد والمؤسسات التي تعتبر نفسها «فاعلة خير ليبرالية» هي في الغالب منظمات واجهة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA و«الدولة العميقة» التي تختبئ وراء صورة ليبرالية. مما يعني بأن حركة «حياة السود مهمة» والحركات المعادية للفاشية، مثل: أنتيفيا «Antifa» مخترقة، ليجعلوا منها «معارضة موجّهة» مطواعة لخدمة طموحات أوليغارشيتنا- الـ 1% من المجتمع- كما كانت حركة احتلوا وول ستريت «Occupy Wall Street» المثال الرئيس على ذلك. لو كنت قائداً لحركة «حياة السود مهمة» ماذا كنت لتفعل؟ فقد سمعت أنه في الماضي كان على حزب الفهود السود «Black Panther Party» أن يتعامل مع مشاكل مماثلة. ما الذي تنصح به الناس المعادية للرأسمالية وللإمبريالية الذين يريدون بناء حراكهم والدفع به إلى الأمام، دون أن يصبحوا جزءاً من معارضة موجّهة؟

موميا: في هذا السياق يخطر ببالي كتاب قرأته منذ بضعة سنوات: الثورة لن تمول «The Revolution Will Not be Funded». يعالج الكتاب كيف أن اليمين يستخدم رأس ماله ليؤسس مراكز أبحاث لدعم الرأسمالية فكرياً. في حين لا يملك اليسار الثروة ليواجه على المستوى الإيديولوجي. تزود المقالات الموجودة في الكتاب النشطاء اليساريين بحقائق من شأنها أن تساعدهم على تجنب الوقوع في فخ الشبكة المالية للأثرياء. لا ينبغي أن يفاجئنا حقًا أن النظام الرأسمالي يبذل قصارى جهده للحفاظ على استمراره إلى الأبد.

لا يمكن مقارنة حركة «حياة السود مهمة» مع حزب الفهود السود، على الأقل حسب تصورات مستشار ترامب الرجعي رودولف غويلياني. فحزب الفهود السود كان مستقلاً مالياً، وكان يمول نفسه من مبيعات جريدته. عندما يتنظّم السود الرازحين تحت الفقر، فإن النخب من البيض الأغنياء يحاولون السيطرة على الحركة، عندما تفشل مساعيهم، يطلقون العنان لقتلتهم لمحو هذه الحركة، كما رأينا في الهجوم الشرس ضد حزب الفهود السود، وضد حركة مووف «Move». ويحمّون الكراهية عبر احتكاراتهم الإعلامية ضد الحركات التي تناضل ضد الاستغلال والقمع وتُشيطنها أمام العامة.

أود أن أذكّر بأن صانعي الثورة الأمريكية (1765-1783) كانوا بلا استثناء من الأغنياء، الذين سعوا إلى الحفاظ على نظام من العبودية والعمل الإجباري. رئيس الولايات المتحدة الأول، جورج واشنطن، كان من أغنى أغنياء مستعمرات أمريكا الشمالية، وامتلك مئات العبيد، وعدداً هائلاً من العقارات. كذلك توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، قال: بأن مئات العبيد لديه هم ملكيته. لكنه كان على الأقل «محترماً» بأن اعترف في رسالة إلى جون نيكولاس ديموينر، السياسي الفرنسي الذي أيد الثورة الفرنسية، إذ كتب له: «الإنسان آلة مدهشة وغير معقولة».

يقوم نظام القمع برشوة الناس كي يضمن استمراره، يقول المثل القديم: «من يأخذ دراهم الملك عليه أن يرقص على أنغامه». تسأل ما الذي قد أفعله لو أن لي الكلمة في حركة «حياة السود مهمة»؟ سأقوم بدراسة مكثفة للتاريخ لكي أوضح كيف تحاول أنظمة الدول أن تحدد الحركة الشعبية وفق وجهة نظرها. سأهتم كثيراً بأن تكون حركة «حياة السود مهمة» مستقلة اقتصادياً، وتمول بنفسها بنيتها التنظيمية. كذلك سأقوم بتدريب كل أعضاء الحركة على فهم برنامج مكتب التحقيقات الفيدرالي لمكافحة التجسس المسمى «Cointelpro» الذي عملوا عبره منذ السبعينات على زعزعة حركات التغيير الاجتماعي. هذا كل شيء. في النهاية، إن حركة «حياة السود مهمة» مؤلفة من جيل من الشباب الواعي المطلع، الذين ربما ليسوا بانتظار نصيحة من مناضل كبير السن مثلي. الحركات الشبابية يجب أن تكون حركات جديدة، هذا جوهرها، ولذلك هي موجودة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
994