«من ميليس إلى دير شبيغل».. المقاومة في دائرة الاستهداف!

منذ صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن، والذي وصفته افتتاحية قاسيون حينها بأنه قرار عدواني جديد ضد سورية والمقاومة اللبنانية،

إلى اغتيال الرئيس الحريري، وتلفيق الاتهامات ضد سورية فور وقوع الجريمة، وعدم توجيه إية إشارة إلى ضلوع الكيان الصهيوني فيها، إلى تشكيل المحكمة الدولية، وما شاب التحقيقات التي أجرتها من فبركة للشهود والوقائع الكاذبة إبان فترة ميليس ومساعده ليمان، عميلي الاستخبارات الألمانية والأمريكية (وضمناً الموساد)، حذرنا مراراً من أن جريمة الاغتيال جاءت ضمن مخطط كبير بعد احتلال العراق، يستهدف سورية وضرب المقاومة في لبنان وفلسطين، وتغيير الوضع الإقليمي كلياً لمصلحة قوى العدوان والاحتلال.
ها قد مرت أربع سنوات وبضعة أشهر على جريمة الاغتيال، فشل فيها المخطط الإمبريالي الصهيوني الرجعي العربي بطبعته الأصلية، وملحقاته اللاحقة، خصوصاً بعد صمود المقاومة في حربي تموز وغزة، وتعثر المشروع الأمريكي في العراق، وانفجار الأزمة الاقتصادية العالمية للرأسمالية وتداعياتها الدولية والإقليمية، ومنذاك، بدأت تتكشف وقائع وحقائق مغايرة أهمها:
فشل دول الاعتلال العربي في تنفيذ الموكل إليها في ضرب المقاومة وعزل سورية، وخلق حالة صدام مباشر عربي– إيراني.
اضطرار المحكمة الدولية للاعتراف بتعاون سورية وعدم ثبوت أية تهمة ضدها، واعتراف المحكمة بعدم صدقية أي من الشهادات المزورة التي اعتمدها المحقق الدولي ديتلف ميليس ومعاونه ليمان ضد سورية والمقاومة (لا في الضاحية الجنوبية ولا في أي مكان آخر).
اضطرار المحكمة لاتخاذ قرار بالإفراج عن الضباط الأربعة رغماً عن كل ما قيل عنهم من فريق 14 آذار.
توالي انكشاف شبكات التجسس العاملة لمصلحة الموساد الإسرائيلي في لبنان، وفي كل المناطق، وكان هدفها الأساس حسب اعترافات عناصرها، ضرب المقاومة واغتيال قادتها، وتدمير لبنان عبر تسعير الصراع الطائفي فيه.
ارتفاع منسوب الخطاب الطائفي لفريق 14 آذار عشية الانتخابات النيابية اللبنانية، ورفض قادته الأساسيين للمشاركة في أية حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات.
في ظل كل ما سبق من فشل لعناصر المشروع الإمبريالي الصهيوني إزاء لبنان وسورية، جاءت «رواية دير شبيغل» المفبركة، والمنقولة شبه حرفياً عن موقع إلكتروني للمعارضة السورية في الخارج، قام منذ أشهر بنشر كل عناصر الرواية التي اعتمدتها مجلة دير شبيغل المملوكة للرأسمال الصهيوني، والتي تهدف إلى خلط الأوراق، وخلق فتنة مذهبية في لبنان، أكبر من كل سابقاتها، وإبعاد الشبهات في جريمة اغتيال الحريري عن الكيان الصهيوني وعملائه في الداخل اللبناني، والذين هم، كما تبين، أكثر قدرة مما تصورناه على اقتراف جرائم الاغتيال السياسي في لبنان.
وإذا كان الاستنفار السياسي التحذيري من استهدافات الرواية المسمومة، والموقف المتطور والمسؤول لحزب الله وأمينه العام، قد طوّق أية مفاعيل مباشرة لرواية دير شبيغل، وفتح الباب لإعادة الفرز بين القوى السياسية اللبنانية ضد الفتنة والعدو الصهيوني، فإننا نحذّر من خطورة استمرار التدخل المباشر لتل أبيب وواشنطن في الشأن الداخلي اللبناني قبل وأثناء وبعد الانتخابات النيابية اللبنانية.
من المعروف، أن الوفود الأمريكية والأوربية الرسمية لا تكاد تغيب عن لبنان والهدف المعلن هو الاطمئنان على وضع فريق 14 آذار في الانتخابات القادمة، والتأكد أن المقاومة وحلفاءها لن يتمكنوا من تحقيق الأغلبية في البرلمان القادم. وكان لافتاً تصريح نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن في بيروت «سنتعامل مع لبنان وفقاً لتكوين الحكومة اللبنانية بعد الانتخابات»، وكان لافتاً أيضاً اجتماع بايدن مع فريق 14 آذار وما تلا ذلك من تصريحات للناطق باسم الخارجية الأمريكية، هدفها استنهاض حلفاء أمريكا في المنطقة، ورفع درجة التوتر بين العرب وإيران «لتخصيب النزاع المذهبي إسلامياً» لإضعاف الجميع عدا الكيان الصهيوني، وهذا ما يفضح سذاجة وأوهام الذين يعوّلون على نوايا واشنطن بفتح حوار مع إيران وسورية، وكأن إدارة أوباما قد غيّرت من مخططاتها العدوانية إزاء شعوب المنطقة بالتجاوز لكل ما سوّقه وروّجه إعلام الكيان الصهيوني لرواية دير شبيغل ضد المقاومة. هناك موقف رسمي لوزير حرب العدو إيهود باراك عشية سفره لواشنطن، وقبل أيام من المناورات الإسرائيلية الشاملة «بين 1- 4 حزيران» قال فيه: «إذا فاز حزب الله بأصوات كبيرة في الانتخابات اللبنانية القادمة، فإن لبنان سيعرّض نفسه لجبروت الجيش الإسرائيلي أكثر من أي وقت مضى، وإذا تغير الوضع السياسي في لبنان، فإن ذلك سيمنحنا حرية عمل لم نكن نمتلكها في تموز 2006»..
فإذا كان الكيان الصهيوني في ظل حكومة نتانياهو– ليبرمان يستمر بطلب التطبيع والاقتصاد والأمن من دول الاعتلال العربي، ويمارس أبشع الجرائم ضد السكان في الأراضي المحتلة، فإن قادة الكيان فاتهم أنهم في الوضع الجديد الذي يتكون عالمياً وإقليمياً، لم تعد دول الاعتلال العربي هي القادرة على التحكم بمسار الأمور، فالمقاومة أصبحت أكثر ثباتاً في شمال فلسطين وجنوبها وشرقها، وفي داخلها، وقد يأتي وقت يصبح فيه الحديث عن مصير وزوال الكيان الصهيوني أكثر واقعية من الحديث عن استكمال المخطط الإمبريالي الصهيوني ضد شعوب المنطقة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
406