فرنسا.. إعلاميون من الفضاء الخارجي لو أنّنا في عالمٍ يحترم المعرفة، لأعيد مؤلّفا هذا المقال إلى المدرسة

على موقع ياهو، يمكن أن نقرأ اليوم مقالاً مثيراً للدهشة، لابد أنّه قد أنتج من قبل هواة جاؤوا من كوكبٍ آخر. يقدّم لنا فيليب بلانشار وليسلي فارين بفخر عنوانهما - النتيجة الذي يتّسم بالطفولية حول «الجبهة المفككة لمناهضي بوش»!

يا إلهي! لم يفهما أنّنا متّحدون بالضبط لأننا مختلفون!

غير إنّ صحافيينا القادمين من الفضاء الخارجي يكتشفان مع ذلك أنّه «لم يسبق أن حرّك رئيسٌ أمريكيّ شعوراً بالرفض مماثلاً في قوّته في أنحاء العالم.» والمثير للدهشة أنّهما لم يعتقدا أنّ هذا الاكتشاف يحطّم بنفسه بقّية «العرض».

ينطلق العرض: مستنداً إلى واقع أنّ «جبهة المتظاهرين ليست موحّدة، بل أنّها تترجم بزوغ مطالبة سياسية جديدة، تبدو تلقائياً خارج إطار الأحزاب التقليدية.» هذه الظاهرة غريبة، ففي العالم الآخر، يبدو أنّه يتوجّب على المطالبات أن تتبع المخططات الأبدية التي يجري تلقينها في مدارس «العلوم السياسية»، وهي مخططات تجدّد هكذا بعدم فهم كلّ ما لا ينتمي إلى النظام القائم ورفضه.

فالبرهان الكبير على عدم اتحادنا هو أنّ خطاب المتظاهرين ليس واحداً! وبالفعل، إنّ الحاسب المزروع بكثافة في الأدمغة البشرية السابقة للقادمين الجدد من الفضاء الخارجي في مجال المعلومات لا يستطيع اكتشاف أنّ المحتويات المختلفة يمكنها أن تشير إلى نفس الموضوع التصوّري. ينبغي لسوء الحظّ أن نذكّر عرضاً بأنّ هذه القدرة الضائعة هي ملكيّةٌ مؤسِّسة للذكاء. هل يفيد حقاً أن نشرح لـ «صحافيينا» أنّ الليبرالية المتطرّفة تترجم بالضرورة بـ «شهيّةٍ كبيرة للنفط»؟ هل يفيد حقاً أن نشرح لهم كذلك أنّ الليبرالية المتطرّفة لا تقتصر على الاقتصاد بل تولّد بالضرورة عدوانيةً، عسكرية وإيديولوجية، تتظاهر بنقصٍ في الاحترام تجاه الشعوب الأخرى؟ هل نظروا على سبيل المثال إلى الجدار في فلسطين الذي يطبع على مستوى بلد صورة نقص الاحترام هذا؟ هل هما بحاجةٍ إلى المزيد من الأقمار الصناعية العمياء والعاجزة كي يتأكدا من أنّهم لم يعودا يريان الأرض بل فضاءً يسجنان فيه مثل مخلوقاتٍ - سلع تبتعد عن البشري؟ 

إنّهما هنا ويقولان: «انظروا! نساء محجبات!» كان هناك بالفعل نحو عشرٍ منهنّ في المظاهرة، وقد نجحن، وفق الكاتبين، في «احتجاجهن إذا ما حكمنا على عدد الكاميرات المسلّطة عليهنّ.» يجدر بالأحرى أن نجد مريباً ذلك الميل اللامحدود للكاميرات في البحث المضني عن الحجاب من أجل العناوين الكبرى للصحف الشرهة للجدالات المزيَّفة. وعوضاً عن ذلك، وجدا أمراً لا يهتمّان به على ما يبدو، أمراً أساسياً لوّن المظاهرة كلّها وشكّل وحدتها: فلسطين!

كتب مؤلّفا المقال دون أن يفهما: «إنّ شعارات المتظاهرين هي أيضاً وبصورةٍ مثيرة للدهشة فرصةٌ لتأكيد دعمٍ قويّ للقضيّة الفلسطينية». من المثير أيضاً للدهشة أن يلاحظ «وجود عددٍ هائل من المتظاهرين الداعمين لقضيّة الفلسطينيين». 

وهكذا، يؤكّد الكاتبان عكس ما أظهروه، أي أنّ مناهضي بوش متحدون وأنّهم أدخلوا كذلك فلسطين في مركز النضال ضدّ الحرب وضدّ الاحتلال. إننا نفهم أن تزعجهم هذه الوحدة، ويمكننا أيضاً أن نشرح لهم في أيّة لحظة بالضبط من تاريخ البشرية أصبحت كلمة «فلسطين» مزعجةً لجميع أولئك الذين لا يعلمون أنّ هذه الكلمة تتضمّن فكرةً عميقةً عن السلام. يوم السبت 5 حزيران، استعادت فلسطين رمزياً انعكاساً ذا معنى: التعددية والاختلاف.

وبما أنّهما يجهلان كلّ التاريخ الحديث للدعم غير المشروط الذي تقدّمه الولايات المتحدة لإسرائيل، ويجهلان القائمة التي لا تنتهي للمرات التي استخدم فيها الأمريكيون حقّ الفيتو في كلّ مرة بنت فيها إسرائيل مستوطنات أو قصفت سكاناً أو ألحقت أراضي، ويجهلان إعلان جورج دبليو بوش للحرب في 14 نيسان الذي سمح فيه بإلحاق المستوطنات الكبيرة وببناء جدار التمييز العنصري، ويجهلان كلّ ما لا تستطيع أقمارهما الصناعية أن تصوّره، فإنّهما يسبغان علينا صفة «الجذرية»! وهما يعتقدان أنّ «معظم المنظّمين يستفيدون من المظاهرة التي قامت من أجل السلام كي يطرحوا مطالباتٍ يمكن تقريباً أن توصف بأنّها جذرية، لا بل حاقدة على واشنطن، المتهمة بمساندة نظام شارون». 

 متهمة؟ متهمة فقط؟ لو أنّنا في عالمٍ يحترم المعرفة، لأعيد مؤلّفا هذا المقال إلى المدرسة.

 

 لقد قاطعت وسائل الإعلام الفرنسية المظاهرة المناهضة لبوش. وكنّا نأمل أن نجد في موقع ياهو انعكاساً أكثر جدارةً لما يجري على الساحة السياسية الفرنسية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
225