المسرحية الصهيونية لـ«التجميد الجزئي والمؤقت»

حملت تصريحات رئيس حكومة العدو الصهيوني، بعد انفضاض جلسة المجلس الوزاري المصغر، قرار التعليق «التجميد المؤقت» لرخص بناء المستعمرات «المستوطنات» لمدة عشرة أشهر، لكن القرار استثنى بناء آلاف الوحدات السكنية التي صودق عليها سابقاً، وكذلك آلاف الوحدات السكنية التي بدئ ببنائها. كما أنه لا يشمل البناء الحكومي للأغراض العامة، كالمباني الحكومية، والمدارس، ورياض الأطفال، والمستشفيات، والكنس، في مستعمرات الضفة المحتلة. حيث كما أكد «نتنياهو» على  استمرار الحياة الطبيعية لأكثر من ثلاثمائة ألف مستعمر. والأهم في ذلك كله، أن مضمون القرار قد أخرج الجزء الشرقي المحتل منذ عام 1967 من تطبيق التعليق، على اعتبار أن مدينة القدس بكامل أحيائها وامتداداتها «القدس العربية الخاضعة لاحتلالي 1948 و1967» جزء من الكيان الصهيوني. جاء إصدار القرار، كحملة علاقات عامة عالمية تديرها حكومة العدو، للتخفيف من سلوكها العدواني/ الاحتلالي، ضد الشعب الفلسطيني، ولتقليل التأثيرات التي فرضتها إعادة مناقشة تقرير «غولدستون»، والأبرز في هذا المجال، محاولة استرضاء السياسة الأمريكية، التي تعرضت لإحراجات عديدة بسبب تراجعها عن مواقفها الإعلامية «المتشددة» للبناء الاستعماري/ الاستيطاني في الضفة. وهذا ماأشار له مقال منشور في صحيفة «هآرتس» الصادرة في 26/11/2009 (إن تجميد المستوطنات الذي أعلن عنه بنيامين نتنياهو لن يؤدي إلى تحريك المسيرة السلمية... بالنسبة لنتنياهو فإنه غير معني بمدى تأثير هذا التصريح على الموقف الفلسطيني, ولكن ما يهمه هو كيف سينظر الرئيس باراك أوباما إلى موقفه هذا). ومن هنا تم التوافق بين الإدارتين- كما تؤكد مصادر دبلوماسية وإعلامية عدة- على إخراج الموقف/ القرار بتلك الصورة الملتبسة عند «البعض»!، على الرغم من استخدام نتنياهو لعبارات لزجة، مضللة، ومنافقة، ناشد خلالها قيادة سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود بالقول «تعالوا معنا لنصنع السلام»(!) مثمناً بالوقت ذاته دور جيشه، وقوات «الأمن الفلسطينية» في حفظ الاستقرار الاقتصادي، وظروف الحياة العامة.

سرعة الترحيب الأمريكية بالقرار، فضحت الترتيبات المشتركة لإخراجه للعلن. فبعد الإعلان الصهيوني بوقت قصير، أصدرت وزيرة الخارجية «كلينتون» بياناً أكدت فيه على (أن التجميد المؤقت لبناء المستوطنات في الضفة الغربية سيساهم في تسوية النزاع «الإسرائيلي» الفلسطيني وسيساعد في تحقيق السلام بين «الإسرائيليين» والفلسطينيين). وهو ماأكده «جورج ميتشل» مبعوث الإدارة الأمريكية للشرق الأوسط بالقول (قرار نتنياهو يشكل تطوراً هاماً يمكن أن يترك أثره على الأرض). لكن المسؤول الأمريكي لم يوضح عن أية أرض يتحدث! فالضفة المحتلة، بما فيها مدينة القدس ومناطق الأغوار، تعيش منذ أربعة عقود ونيف، احتلالاً وحشياً، يتعامل مع أصحاب الأرض، كأهداف للقتل أو أرقام داخل المعتقلات الرهيبة، وخلف أكثر من ستمائة حاجز. هذه الأرض التي تتم استباحتها في كل ساعة، سواء من قوات الاحتلال العسكرية، أو من عصابات وميليشيات المستعمرين، التي تطرد أصحاب الأرض من بيوتهم وحقولهم، تحت حماية بنادق جيش الاحتلال.

لقد عكست موافقة الأحزاب المشاركة بالحكومة على قرار التعليق، التناغم الواضح بين كتلها السياسية والبرلمانية، بصدد بناء المستعمرات الجديدة، والتوسع في التجمعات والبؤر المبنية سابقاً، وكشفت رغبتها في إعادة التأكيد على انسجامها مع سياسات الرئيس الأمريكي الجديد، في «رؤيته» لتنشيط عملية «السلام» بالمنطقة. ولهذا فإن توقيت صدور القرار يشير إلى كونه جزءاً من خطة أمريكية/ أوروبية متكاملة لتحريك الجمود فيما يسمى «العملية السياسية»، ولـ«جرجرة» سلطة رام الله لطاولة المفاوضات. وهذا ماعبر عنه «موشيه يعالون» الوزير في حكومة نتنياهو، الذي فاجأ الجميع بانتقاله للموافقة على القرار بعد تأكيدات سابقة على رفضه الشديد لتعليق البناء في المستعمرات، بالقول (إنه مناورة سياسية أرادها نتنياهو في إطار علاقاته بأصدقاء «إسرائيل» في العالم). وعلى الرغم من الحراك الاحتجاجي الصاخب الرافض للقرار من كتلة حزبية داخل «الليكود»، متحالفة مع بعض قادة ورؤساء مجالس بعض المستعمرات، فإن مايمكن ملاحظته بوضوح شديد، هو أن مايسميه البعض  بـ«رموز التطرف» داخل حكومة العدو- وكأن داخلها يحتوي قوى معتدلة؟!- أمثال «افيغدور ليبرمان، بيني بيغن، وموشيه يعالون»، قد أيدوا قرار التجميد المؤقت، استناداً إلى الرؤية/ الأهداف المشتركة للحكومتين في تنفيذ خطوة من هذا النوع.

جاء رد الفعل العربي، وفي المقدمة منه الفلسطيني، رافضاً قرار حكومة العدو، وكان اللافت لنظر المراقبين النبرة العالية التي اتسمت بها مواقف سلطة رام الله، المنطلقة من ضرورة الالتزام ببنود «خارطة الطريق» الكارثية، وهو ماأكده «صائب عريقات» في مجال تعليقه على القرار (لايوجد حل وسط في قضية «الاستيطان»، لذا نأمل من «إسرائيل» أن تطبق هذه الالتزامات التي نصت عليها خريطة الطريق). والسؤال الذي يطرح نفسه في مواجهة «صحوة» قيادة السلطة على هجمة استعمار الأرض الفلسطينية، ماالجديد الذي دفع تلك القيادة لكي تضع في مقدمة مطالبها للعودة لطاولة المفاوضات، وقف الاستيطان/ الاستعمار، لأنها بقيت تتفرج على التهام الأرض وطرد السكان بالوتيرة العالية التي أعقبت اتفاق أوسلو سيئ الذكر، وهي تحرص على حضور عشرات اللقاءات التفاوضية. ولإنعاش ذاكرة أصحاب الصحوة المفاجئة، نذكرهم بأن عدد المستعمرين في الضفة الغربية «باستثناء القدس» قد ارتفع من 105 آلاف عند توقيع الاتفاق عام 1993 إلى مايزيد على 300 ألف في عام 2009. كما أن عام 2008 شهد بناء 3200 وحدة استعمارية جديدة حسب ماأعلنه المكتب المركزي للإحصاء في كيان العدو.

إن مجابهة الاستعمار الاستيطاني للأرض الفلسطينية، الذي يعتبر أحد المكونات/ الأركان التي قام عليها كيان العدو، يتطلب مواجهة الإيديولوجية الصهيونية بتعبيرها المباشر: الاحتلال الإجلائي، الذي نـُكبت به الأرض العربية الفلسطينية مرتين (1948 و1967). ولهذا فإن ماأنتجته سنوات  المفاوضات العجاف، لم يكن سوى المزيد من التنازل عن ثوابت الشعب الفلسطيني، التي تحددت في الميثاق القومي/ الوطني لمنظمة التحرير، وإشاعة وهم «التعايش والسلام» الذي حرصت قيادة رام الله على تسريبه لبعض شرائح المجتمع.

لقد أكدت عقود طويلة من المواجهة مع سياسات العدو ومخططاته، أن استكمال المشروع الوطني التحريري والتحرري لشعبنا الفلسطيني يتطلب برنامجاً كفاحيا،ً يعيد اللحمة للنضال الوطني والقومي، ويعمل على استنهاض طاقات الشعب والأمة، من خلال رافعة سياسية/ تنظيمية، تنشر ثقافة المقاومة، وتشحذ وعي الإنسان العربي، وتتبنى كل أشكال النضال العسكري والجماهيري، لتحقيق النصر على جبهة الأعداء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
431