«الصداع التركي» في رأس الاتحاد الأوروبي!

«الصداع التركي» في رأس الاتحاد الأوروبي!

ما الذي يمكن فهمه من التلويح التركي مؤخراً، بالانضمام إلى منظمة «شنغهاي» للتعاون، بدلاً من اللهاث خلف العضوية في الاتحاد الأوروبي؟ هل يمكن القول، أنه في إطار المناورات التركية التي اعتدناها في سياق الضغط التركي على الاتحاد الأوروبي؟ أم أن منعطفاً حقيقياً بات يكتسي علاقة تركيا مع التكتلات الدولية؟

 

من الصعب الحكم المبكر على نوايا الحكومة التركية فيما يخص موقفها هذا، لكن إعلان موقف كهذا هو مربوط لا شك بتاريخ العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي وطبيعتها من جهة، وتركيا ودول منظمة «شنغهاي» من جهة أخرى، ما يسمح بالوصول إلى تصور حول ضرورات الطرح التركي الجديد، بغض النظر عن التطورات السياسية اللاحقة في هذا الصدد..

بين الشرق والغرب

الجنوح إلى كنف الاتحاد الأوروبي، هو حلم تركي منذ 53 عاماً، لأسباب عدة، أهمها: الصعود السريع للنموذج الأوروبي المغري في الربع الأخير من القرن الماضي، بما سمي حينها بـ«دول الرفاه الاجتماعي». وتركيا «العلمانية» حينها، كانت تحلم بالدخول إلى هذه المنظومة. من جهة أخرى، فإن العلاقات الأمريكية- التركية، منذ أواسط القرن الماضي، والتي يمكن وصفها بالعلاقات الوثيقة سياسياً وعسكرياً، قد لعبت دوراً في تكوين الرؤية التركية اتجاه التكتلات الدولية، وكان الخيار هو أوروبا.

في هذا الصدد، يمكن تقسيم فترة المساعي التركية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إلى مرحلتين من حيث مستوى الضغط التركي لتحقيق هذا الهدف. المرحلة الأولى: متعلقة بالجنوح التركي نحو كنف النموذج الأوروبي، والذي كان قائماً حسب الوزن التركي حينها، الذي لم يكن أولوية مطلقة بحكم انخفاض هذا الوزن أمام قرينه الأوروبي من الناحية السياسية والاقتصادية وقتذاك.

المرحلة الثانية: هي مرحلة الضغط المتصاعد بغية الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، وهي مرحلة يمكن تأريخها تقريباً مع بدايات الألفية الثالثة، والتي تميزت بقضيتين رئيسيتين، الأولى: بداية الصعود التركي من الناحية الاقتصادية بسرعة غير مسبوقة، نقلت تركيا من المراتب الدنيا في سلم الاقتصادات العالمية، إلى مجموعة G20.

والقضية الثانية هي دخول العالم في أزمة اقتصادية عبّر عنها خروج المركز الرأسمالي- الولايات المتحدة، إلى «حربها على الإرهاب»، أي أن دخول العالم في أزمة متصاعدة وظاهرة بشكل أوضح اليوم، بالإضافة إلى الكمون الاقتصادي العالي لتركيا، نحى بها للبحث عن منافذ تؤمن استمرارية تطورها الاقتصادي. ومن هنا، يأتي الاتحاد الأوروبي كمجال حيوي يؤمن حركة أكبر لرؤوس الأموال والاستثمارات الأوروبية اتجاه تركيا من جهة، وتنفيس المشاكل الاجتماعية التركية التي ظلت قائمة حتى في ظل أرقام نمو عالية. فأرقام البطالة بقيت تحوم حول 10% طوال السنوات العشرة الماضية، ودخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يعني تدفق الملايين من القوى العاملة التركية إلى دول الغرب الأغنى. ويعزز هذه الفرضية فرق مستوى المعيشة الكبير بين العمال الأتراك ونظرائهم الغربيين.

من المؤكد أن للتلميحات التركية بالاتجاه شرقاً، عوامل كثيرة أهمها: التغيرات الكبرى في موازين القوى الدولية، ومنها أوضاع الاتحاد الأوروبي نفسه. فهذا التكتل لم يعد كما السابق مغرياً بنظر الأتراك خصوصاً بعد خروج بريطانيا منه، وظهور إشارات حول إمكانية خروج دول أخرى منه، كما هي حال إيطاليا والبرتغال.

تركيا تحرج الأوروبيين!

في 20/ تشرين الثاني الحالي، وضمن منطق لعبه على حبال التناقضات الدولية على أمل النجاة والاستمرار، أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن بلاده ترى في الانضمام إلى منظمة «شنغهاي» للتعاون بديلاً حقيقياً عن حصولها على العضوية في الاتحاد الأوروبي، مشيراً في معرض حديثه لقناة «خبر تورك»، أثناء زيارته لأوزبكستان، إلى عدم استقرار الاتحاد الأوربي في الوقت الراهن، في ظل إمكانية تكرار خروج دول أخرى من الاتحاد كما فعلت بريطانيا.

تلقفت منظمة «شنغهاي» الإعلان التركي سريعاً، وأعلنت بكين على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها، كنغ شوانغ، في 21/ تشرين الثاني، أن الحكومة الصينية مستعدة للنظر في أي طلب تتقدم به تركيا للانضمام إلى منظمة «شنغهاي» للتعاون التي تقودها الصين وروسيا، وأضاف المتحدث أن تركيا شريك محاور مع التكتل وتعاونت معه عن كثب منذ وقت طويل، وهو أمر تقدره الصين لها، وأن الصين تعلق أهمية كبرى على رغبة تركيا في تعزيز التعاون، متابعاً: «نحن مستعدون مع باقي الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، ووفقاً لقانونها الداخلي، أن ندرس بجدية هذا الأمر على قاعدة توافق الآراء في المشاورات».

والجدير بالذكر أن تركيا ستترأس اجتماع نادي الطاقة التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون، في دورته القادمة العام المقبل، لتكون أول دولة تترأس الاجتماع على الرغم من عدم عضويتها في المنظمة.

على المقلب الآخر، جاء الرد الأول، عبر البرلمان الأوروبي، في هذا الصدد على لسان مانفريد فيبير، المتحدث باسم «الحزب الشعبي الأوروبي»، الذي يشكل أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي وبدعم من غالبية الأعضاء، حيث قال في اجتماع عام للبرلمان الأوروبي 22/ تشرين الثاني: «رسالتنا لتركيا واضحة جداً، مفادها أنه لا بد من تجميد المفاوضات بشأن انضمامها للاتحاد الأوروبي فوراً»، معرباً عن قلق حزبه من التصريحات الأخيرة للرئيس التركي التي تحدث فيها عن إمكانية انضمام بلاده إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وتعزيز العلاقات التركية مع روسيا وإيران.

هنا تبدو حدة الرد من قبل البرلمان الأوروبي، تعبيراً عن رفض مجموعة من النخب الأوروبية لفكرة الدخول التركي إلى الاتحاد من أساسها، لكن من الخاسر في حال الابتعاد التركي فعلياً عن فكرة الانضمام للاتحاد الأوروبي بشكل نهائي؟ من المؤكد أن الأوروبيين يريدون فعلاً إبقاء تركيا خارج الاتحاد، ذلك أن القوى العاملة التركية التي تعمل اليوم على أراضيها بمستوى محدد من الأجور، ستشكل ضغطاً كبيراً في حال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي صاحب الحد الأدنى (المرتفع) للأجور. وعدا ذلك، الكثير من القيود الأخرى، السياسية والاقتصادية والثقافية.

لكن في المقابل، فإن الأوروبيين حاولوا فيما مضى الحفاظ على الهاجس التركي اتجاههم قدر المستطاع، لأن اقتراب تركيا من تكتلات أخرى، وتحديداً ذاك التكتل الذي يحوز على سدس المنطقة الأوراسية و22% من سكان العالم- المقصود هنا منظمة شنغهاي للتعاون- هو أكثر ما يقلق الأوربيين، في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع بينهم وبين حلف القوى الصاعدة، وفي مقدمتها روسيا، على أكثر من ملف أساسي، كما هو الحال في الأزمة الأوكرانية، والنفوذ في أوروبا الشرقية، وأزمات المنطقة، كالعراق وسورية.

من المؤكد أن قضية كهذه في الوقت الراهن، أي الانتقال بين التكتلات الدولية، هي قضية معقدة، والعناصر المؤثرة في هذه التحولات كبيرة جداً، وتحتاج إلى وقت لتظهر نتائج نوايا أصحاب هذه التحركات، لكن الإشارات التي أبدتها تركيا بحد ذاتها تعطي انطباعاً عن التحولات الكبرى التي يعيشها العالم حالياً، اتجاه تغيير شكله ليتناسب مع التغير السريع في أوزان القوى الدولية الصاعدة حديثاً أو التقليدية.

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
786