ابراهيم البدراوي ابراهيم البدراوي

مرحلة اللامنطق... واقتصاد «اتصل الآن»!

حينما صدرت قوانين «الانفتاح الاقتصادي» عام 1974 في مصر عشية حرب أكتوبر المجيدة وتم فتح أبواب البلاد على مصاريعها لرأس المال الامبريالي، كانت البنوك الأجنبية هي صاحبة المبادرة الأولى في اقتحام مصر، أي رأس المال المالي. وانتشرت هذه البنوك في البلاد انتشاراً سرطانياً.

 

أعاد التاريخ نفسه، إذ كانت البنوك الأجنبية والمرابون اليهود في الطليعة عند اقتحام البلاد منذ أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر عقب ضرب المشروع النهضوي الذي تحقق في عهد محمد علي. كان هذا الأمر هو (المأساة)، إذ كان ذلك الهجوم هو المقدمة التي أدت إلى احتلال مصر عام 1982، وأصبحت مصر دون مبالغة ملكاً للأجانب أساساً، وإلى جانبهم دوائر ضيقة من المصريين.

في هذه المأساة  طالت هيمنة رأس المال الأجنبي كل شيء. كما تغلغل الرأسماليون اليهود الذين وفدوا بغزارة إلى مصر عقب هزيمة الثورة العرابية (بسبب الخيانات التي أرتكبت) لدرجة أن 34% من الشركات المساهمة المصرية  كانت تحت سيطرة 50 أسرة يهودية في إطار جالية ضئيلة وفدت إلى مصر تباعاً خلال مراحل تاريخية. كان رأس المال الأجنبي من كل الجنسيات الأوربية الغربية، وامتد إلى كل المجالات الاقتصادية من صناعية وزراعية وبنكية وغيرها. ورغم حائط الصد الهائل الذي أقامه طلعت حرب مؤسس بنك مصر وشركاته المتنوعة في ظروف شديدة الصعوبة، إلا أن رأس المال الأجنبي احتفظ بمواقعه حتى السنوات الأولى لثورة يوليو 1952.

في مرحلة (المسخرة) التي قادها السادات منذ مايو 1971 وخصوصاً منذ عام 1974 كانت الأمور أشد قسوة، إذ بادرت بنوك مرحلة الامبريالية لشن هجمتها الشرسة وممارسة نشاطاتها التخريبية في نهب الثروة المصرية وامتصاص مدخرات المصريين وتوجيهها للاسهام في بناء الطبقة البرجوازية الجديدة في مصر. وفي أعقابها (وفي ظل مبارك) اشتدت الهجمة التي لا تزال مستمرة للاستحواذ على اقتصاد البلاد في شراكة مع الطبقة النهابة التي تطبق على السلطة. ولم تضف شيئاً للأصول الإنتاجية بل قلصتها وقامت بتصفية جانب كبير منها. وعادت مصر من جديد ملكاً للأفاقين الأجانب من جديد، رغم المقاومة الشعبية لهذه الجريمة.

إذا كانت (المأساة) قد جرت في القرن التاسع عشر، حيث كانت الرأسمالية في مرحلة فتوتها وشبابها وحيويتها، فإن (المسخرة) قد تمت في مرحلة شيخوخة الرأسمالية التي مرت بأزمات خانقة، ولم تسعفها الوصفات ولا عمليات الالتفاف والترقيع في الخروج منها  سوى بحروب عالمية وإقليمية أهلكت عشرات الملايين من البشر. لكن مرحلة (اللامنطق) التي يقودها مبارك تجري في ظروف أزمة شاملة تعيشها الرأسمالية، ولا أمل في حلها. وكأن (اللامنطق) المباركي (والعربي عموماً) يتصور قدرته على مساعدة الرأسمالية للبقاء على قيد الحياة!!

 

المشهد الاقتصادي المصري مليء بالمضحكات المبكيات.

كانت الإعلانات تملأ شاشات القنوات التليفزيونية للدعاية للاستثمار في البورصة. تهاوت البورصة في معية تهاوي البورصات العالمية. واتجهت الدعاية (الإعلانية) الغثة لحفز الناس على الاستثمار، وكأن البلاد لا تعاني من وجود عشرات الملايين من الجياع، وكأن (السوق المقدسة) قادرة وتملؤها الحيوية، وكأن الناس يملكون مدخرات هائلة...الخ.

الإعلانات تملأ الشاشات لدفع الشباب لإنشاء مشاريع صغيرة، ومتناهية الصغر، بمساعدة ما يسمى (الصندوق الاجتماعي). هذه محاولة لزرع وبناء الرأسمالية من أسفل، وكأنها ناجحة في الأعلى!! في حين أن الوقائع في العالم كله تؤكد أن الرأسمالية قد ولى زمانها وأنها تترنح ولم تعد هي المستقبل أو حتى الحاضر. وتستند هذه الأكذوبة «المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر» إلى الادعاء بأن البلدان الرأسمالية المتطورة (ألمانيا هي النموذج) تزدهر فيها الصناعات الصغيرة وتشكل 30% من قطاع الصناعة بها.

سنضرب عرض الحائط بالأزمة التي تطحن البلدان الرأسمالية ومنها ألمانيا. لكن الواقع يؤكد  أن الصناعات الصغيرة في هذه البلدان (قبل تفجر الأزمة الأخيرة) كانت في غالبيتها الساحقة تنهض بمسؤولية تغذية الصناعات الكبيرة بجانب هام من احتياجاتها، والحصة الأقل كانت لإنتاج منتج نهائي للاستهلاك المباشر. لذا لايجوز التعميم على مصر التي تآكلت وخربت صناعاتها الكبيرة بسبب الخصخصة التي أفضت إلى تقليصها وتصفية أجزاء كبيرة منها، وكذا خروج الدولة من أي دور في التنمية. ولم يبق من فرصة سوى انتاج منتج نهائي للاستهلاك لا يقوى على أية منافسة في ظروف (السوق المفتوح) والمنافسة الأجنبية العاتية. لذلك فإن الأفق مسدود أمام هذه المحاولة الرثة، التي شهدنا اخفاقاتها في الفترة الماضية من إفلاس، لعجز عن تصريف المنتج ومن سجن لعدم سداد القروض، وأن قلائل هم من استطاعوا الاستمرار بفعل مساندة المتنفذين في السلطة. ومع ذلك تصمم الطبقة الحاكمة على تسويق هذا الوهم. ونتساءل عن ملايين خريجي الجامعات دون عمل، وهل يمكن أن يسعفهم هذا الوهم؟

في إطار الترويج للأوهام تغطي مئات الاعلانات شاشات التلفزيون عن منتجات لا حاجة لها مثل بطاطس (شيبس) وآيس كريم وشيكولاتة وبيتزا هت وماكدونالدز وكنتاكي..الخ (يا لها من تنمية اقتصادية)!! أما باقي الاعلانات فهي عن سلع تقوم توكيلات بمجرد تجميعها في مصر. وبعض الإعلانات عن إنتاج مصانع تم اغتصابها من القطاع العام عبر برنامج الخصخصة الإجرامي مثل الحديد الذي تنتجه مصانع أحد الاحتكاريين الجدد من قادة حزب السلطة. لكن الأنكى هو الإعلانات التي تنتهي بعبارة «اتصل الآن» والخاصة بمسابقات تافهة عن طريقها يتم امتصاص ما في جيوب السذج من بقايا نقود، وتشيع الوهم والاتكال على «الحظ» لكسب بضعة جنيهات!! وهكذا تبدع برجوازيتنا اقتصاداً جديداً بديلاً عن الاقتصاد الحقيقي المغدور، هو اقتصاد «اتصل الآن».

لم يقتصر أمر الهيمنة الأجنبية على الاقتصاد الحقيقي والوهمي أيضاً، بل امتد إلى مجال آخر. كانت نظافة المدن تقع على عاتق البلديات و(الزبالين). فجأة تم ادخال الشركات الأجنبية إلى هذا المجال، وتقوم الحكومة بجباية رسوم نظافة شهرياً وإجبارياً (تضاف إلى فاتورة استهلاك الكهرباء). وصاحَبَ استجلاب (الخبراء الأجانب!!) لتنظيف المدن موجة قذارة طالت حتى الأحياء الراقية مثل ضاحية المعادي. وحدثت ضجة كبيرة بسبب إضراب شركة فرنسية حصلت على امتياز نظافة مدينة الجيزة، التي تحولت إلى مقلب زبالة. الجدير بالذكر أن هذه الشركات تتقاضى بموجب تعاقدات الحكومة معها مئات الملايين من الدولارات سنوياً، علاوة على استفادتها من عملية تدوير الزبالة المربحة للغاية. وقيل إن سبب الإضراب هو توقف المحافظة عن دفع مستحقات الشركة الفرنسية. ووراء جلب هذه الشركات الأجنبية عمولات سخية وفساد غير محدود.

إننا  نعيش مرحلة (اللامنطق)، مرحلة لم  تكتف برجوازيتنا بتحويل كل شيء فيها إلى سلعة تباع وتشترى، ولكنها حولت الوطن ذاته إلى سلعة قابلة للبيع والشراء. إنها طبقة فقدت مبرر الوجود، وعجزت عن أي فعل ايجابي، بما في ذلك النهوض بمهمة نظافة العاصمة والمدن الكبرى، ولا نقول صناعة (محرك دراجة بخارية).

إن الأصوات المنادية بالاشتراكية والشيوعية التي خفتت كثيراً لعقدين من الزمن يجب أن تعلو من جديد، مصحوبة بنضال لا يعرف الكلل أو الملل أو الخوف من أجل الاشتراكية والشيوعية. إن نضالنا من أجل الاشتراكية، ومقاومة الامبريالية والصهيونية وعملائهم المحليين اللصوص الخونة هو الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية من الفناء.