إنعاش الاقتصاد المصري.. يتطلب أكثر من ترميمات

إنعاش الاقتصاد المصري.. يتطلب أكثر من ترميمات

بعد موجة الحراك الشعبي المصري الثاني (ثلاثين يونيو)، التي شكّلت عملياً انتفاضة في وجه حكم جماعة «الإخوان المسلمين» التي عاثت فساداً في البلاد، وعرضت الأمن القومي المصري للخطر، وجدت القيادة المصرية الجديدة نفسها مضطرة إلى إعادة ترسيم العلاقات مع محيطها والعالم، والتعامل مع التهديدات الجسيمة في سيناء، وعلى الحدود الغربية مع ليبيا، إلا أن ذلك لم يعن، في وقتٍ من الأوقات، إلا ترحيل الملف الاقتصادي الاجتماعي، الذي تتصاعد تبعاته اليوم.

لا تقل الظروف الاقتصادية على الأصعدة كافة في مصر، فيما وصلت إليه اليوم، عن التهديدات الخارجية المباشرة التي تصاعدت بعد وصول القيادة الجديدة إلى سدة الحكم، ومن شأنها في حال استمرار الوضع القائم أن تدفع بمصر نحو هزات غير محسوبة تماماً، في مرحلة تعتبر منعطفاً تاريخياً في تحديد مصير المنطقة التي تعد مصر في صلبها، وربما من أهم أركانها.

أزمة في إيرادات الخزينة

هذا العام، تقل إيرادات السياحة المتوقعة بواقع 5 مليارات دولار فقط، مقارنة مع 6.1 مليار دولار للعام 2015، بعدما وصلت إلى 14 مليار دولار قبل خمسة أعوام.

وفي وقت سابق، أعلن وزير المالية المصري، عمرو الجارحي، أمام البرلمان، أنه من المتوقع أن يصل الدين العام بنهاية العام المالي الحالي (2015- 2016)، إلى 98% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنه من المستهدف أن تنخفض هذه النسبة إلى 85%  خلال 3 أعوام.

ورغم انخفاض الواردات في الربع الأول من العام المالي الحالي إلى حوالي 12 مليار دولار، مقارنة بـ16 مليار دولار للفترة نفسها من العام الماضي، إلا أن ذلك التوازن المحدود بين الديون والإيرادات، سمح به إلى حد بعيد عمل الدولة في مجال مشروعات البنى التحتية، لكنه بالتأكيد غير كافِ في ظل الكم الهائل من المشاكل المتراكمة، والتي على رأسها ارتفاع أعداد المصريين القابعين تحت خط الفقر بنسبة 27.8%، حسب وزير التخطيط المصري، بالإضافة إلى متطلبات النمو المتزايدة في كل عام.

حول الاعتماد على المال الخليجي

وصل حجم المنح التي حصلت عليها مصر خلال موازنتي (2013- 2014)، و(2014- 2015)، إلى 121.4 مليار جنيه، بواقع 96 مليار في السنة المالية الأولى، و25.4 مليار جنيه في الثانية، بحسب بيان أعده مركز «القاهرة للدراسات الاقتصادية»، والذي أشار فيه إلى أن المنح الواردة اقتصرت هذا العام على نحو 2.2 مليار جنيه فقط حتى الآن، وهو ما توافق مع تقديرات الموازنة الأخيرة.

اللافت هو الانخفاض الكبير في أرقام الدعم الذي تحصل عليه مصر، خصوصاً من الإمارات والسعودية، ومن المرجح أن الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الخليجيون أثرت على تلك المنح، بعد الانخفاض الكبير في أسعار النفط على مستوى العالم، ودخول الدولتين في حرب باهظة التكاليف في اليمن، فالسعودية زادت مؤخراً من إجراءات التقشف ورفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية.

حصلت مصر منتصف العام الحالي، على 2.5 مليار دولار، تسلمت منها 500 مليون دولار كدفعة أولى أكدتها وزيرة التعاون الدولي، سحر نصر، ومؤخراً تم الاتفاق على وديعة إماراتية بقيمة مليار دولار لمدة ست سنوات.

البحث عن موارد داخلية

هذا العام، زادت أسعار الكهرباء بداية من شهر آب الفائت، بنسبة تتراوح بين 25 إلى 40 بالمئة، ضمن خطة إلغاء الدعم على مدار خمس سنوات.

وكانت وزارة البترول المصرية قد خفضت في الأشهر الستة الأولى من هذا العام، تكلفة دعم المواد البترولية بنسبة 42.2%، لتبلغ 26 مليار جنيه مقابل 45 مليار جنيه للفترة نفسها من العام الماضي.

وفيما يخص زيادة الضرائب، قال رئيس مصلحة الجمارك المصرية، محي عبد العزيز، إن قرار زيادة الرسوم الجمركية على ما بين 500 إلى 600 مجموعة سلعية سيرفع الحصيلة الجمركية خلال النصف الثاني من هذا العام بنحو 128 مليون دولار، فيما كان قانون الضريبة على القيمة المضافة المقدم من قبل الحكومة هو الأكثر جدلاً في مجلس النواب قبل إقراره في آب الماضي، على أن تحصل الخزينة على 2.3 مليار دولار نتيجة لتطبيق القانون الجديد، بعد أن وصلت الضريبة إلى 13% مما سيؤدي إلى زيادة الأسعار بنسبة تتراوح بين 2% إلى 3.5%، بحسب تقديرات وزير المالية السابق، هاني قدري.

وتعد الاتصالات على العموم أكثر القطاعات المتأثرة برفع الضريبة، إلى جانب النقل بين المحافظات، والتعليم الخاص، والمواد الكهربائية والمنزلية، فيما بقيت أسعار الخدمات الصحية والغذاء والنقل الداخلي والتعليم معفاة من هذه الضريبة.

عقب إقرار القانون، قال وزير المالية المصري، عمرو الجارحي: «إن نسبة 90% من السلع الغذائية معفاة من ضريبة القيمة المضافة، وإن التضخم الناتج عنها سيكون محدوداً على محدودي الدخل، وإن الأكثر دخلاً يدفع ضريبة أكبر من الأقل دخلاً على أساس حجم الاستهلاك، وإن قائمة السلع المعفاة من ضريبة القيمة المضافة تصل إلى نحو 52 مجموعة سلعية».

الحقيقة أن القانون الجديد أخذ بعين الاعتبار الشرائح المستهدفة من رفع الضريبة، وهي خطوة إيجابية لكنها غير كافية، فعلى المقلب الآخر، أية سلعة أو خدمة مقدمة للمواطن تمر ضمن العملية الإنتاجية على إحدى القطاعات المتضمنة في قانون رفع الضريبة، وبالتالي فإن زيادة الأسعار على الشريحة الأفقر من المصريين هي النتيجة الطبيعية، المترافقة مع زيادة الأسعار الموجودة أصلاً نتيجة ارتفاع أسعار صرف الدولار. ومثال على ذلك أسعار الأدوات الكهربائية والمنزلية التي سترتفع قيمتها بنسبة 12%، والملبوسات الجاهزة التي من المحتمل أن ترتفع قيمتها بنسبة 14%.

إلى أين؟

 

من المؤكد أن السلطة الحالية، تحملت تركة ثقيلة جراء السياسات الليبرالية المرافقة لاتفاقية كامب ديفيد، والتي ما تزال حتى اليوم قائمة في البلاد، ولكنها لا تقوم بأي شيء يفيد ضرورات الخروج من دائرة الخطر اقتصادياً والتي أصبحت متعلقة بمصر ككيان مستقر. وهنا لا يبدو أن «الضربات» الحكومية في المجال الاقتصادي، الكبيرة أحياناً هنا أو هناك، والتي تعتمد معايير اقتصادية غابت منذ حكم السادات لمصر، مثل إحياء نموذج المشاريع العملاقة كاستصلاح 1.5 مليون فدان، وقناة السويس الجديدة، والاستفادة من شبكة العلاقات الدولية الواسعة اقتصادياً كما هو الحال في مجال الطاقة النووية مع روسيا، ومؤخراً العمل الداخلي الذي سيكون أصعب بحكم التعقيدات داخل جهاز الدولة المصري، تجدي نفعاً كثيراً مع بقاء منظومة جهاز الدولة المافيوي ذاتها، مع اقتصادها الليبرالي الجديد ذاته. وإن التأخر في إنجاز تقدم اقتصادي جدي في ظل الأزمات الراهنة والمتفاقمة، قد يدعو إلى تغيير جديد بغض النظر عن شكله، كما كانت ضرورات موجتي الحراك الشعبي الأولى والثانية.

آخر تعديل على الأحد, 09 تشرين1/أكتوير 2016 14:57