حلب... صورة المكان أم صورة الحياة اليومية للناس؟
لم يكن الجدل الذي رافق تجميل دوار الليرمون في حلب خلافاً حول تصميم هندسي أو مجسم جمالي، بل كشف عن سؤال أعمق يتعلق بفلسفة إدارة المدن: ما هي أولويات التنمية؟ وهل وظيفة الإدارة المحلية صناعة المشهد البصري، أم تحسين الحياة اليومية للمواطن؟
لا أحد يعترض على أن تكون حلب مدينة جميلة. فمدينة بهذا التاريخ تستحق ساحات ومداخل وحدائق تليق بها. كما أن الاهتمام بالفضاء العام جزء من احترام المدينة وسكانها، ويسهم في تحسين المشهد الحضري، ورفع الروح المعنوية، وإعطاء انطباع إيجابي للزوار والمستثمرين.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول مشروع تجميلي إلى عنوان للإنجاز، بينما تبقى الملفات التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة أكثر إلحاحاً وأقل حضوراً في الخطاب الرسمي. عندها يصبح الجدل طبيعياً، ليس لأن الناس ضد الجمال، بل لأنهم يتساءلون عن ترتيب الأولويات.
الرد الرسمي على الانتقادات كان أن المشروع لم يُنفّذ من موازنة المحافظة، بل بتمويل من إحدى الفعاليات الاقتصادية، وكأن مصدر التمويل وحده كافٍ لإغلاق باب النقاش. صحيح أن مساهمة القطاع الخاص في خدمة المدينة أمر إيجابي، بل إنها ضرورة في ظل محدودية الموارد العامة، لكن ذلك لا يعفي الإدارة المحلية من مسؤوليتها في توجيه هذه المساهمات نحو ما تحتاجه المدينة فعلاً.
فالمال الخاص عندما يُخصص لمشروع عام لا يصبح خارج إطار التخطيط العام. والمحافظة ليست مجرد جهة تمنح الموافقات أو تستقبل المبادرات، بل هي الجهة التي يفترض أن تمتلك رؤية تنموية واضحة، وتحدد الأولويات، وتوجه الشراكات بما يحقق أكبر منفعة للمجتمع.
وهنا يكمن جوهر القضية.
السؤال ليس من دفع ثمن المشروع؟
بل هل كان هذا المشروع هو الخيار الأكثر إلحاحاً؟ ولو عرضت فعالية اقتصادية تمويل مشروع مماثل، هل تمتلك المحافظة رؤية تقول إن المدينة اليوم تحتاج إلى تأهيل مدرسة أو تطوير شبكة إنارة أو إصلاح طريق أو إنشاء حديقة عامة أو دعم مشروع إنتاجي أكثر من حاجتها إلى تجميل دوار؟
هذا هو الدور الحقيقي للإدارة المحلية.
فوظيفة المحافظة لا تقتصر على تنفيذ المشاريع، بل على إدارة الأولويات. ومن دون هذه الرؤية تصبح التنمية رهناً بالمبادرات الفردية، ويصبح القرار بيد الممول أكثر مما هو بيد المخطط.
المدن الحديثة لا تُدار بهذه الطريقة. ففي معظم التجارب الناجحة، تضع البلديات والمحافظات خططاً تنموية واضحة، ثم تدعو القطاع الخاص للمشاركة في تنفيذها. أما أن يختار الممول المشروع، ثم تبحث الإدارة عن مبررات له، فهذا يعكس غياب التخطيط أكثر مما يعكس نجاح الشراكة.
وهذا لا يعني التقليل من قيمة تجميل المدينة، بل وضعه في سياقه الصحيح.
فالمدينة ليست واجهة، وليست صورة تُلتقط في حفل افتتاح. المدينة، هي شبكة متكاملة من الخدمات والبنية التحتية والاقتصاد والبيئة والثقافة والفضاءات العامة. والجمال فيها ليس مشروعاً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لإدارة ناجحة تحسن حياة الناس أولاً.
حين يشعر المواطن أن طرقه أفضل، وخدماته أكثر استقراراً، وأحياءه أنظف، وفرصه الاقتصادية أكبر، سيصبح تجميل الدوار إضافة جميلة إلى مسار واضح من التنمية. أما عندما تسبق المشاريع الرمزية المشاريع الأساسية، فإنها تتحول- شاء القائمون عليها أم أبوا- إلى مادة للنقد.
والأهم من ذلك أن المحافظة مطالبة بالنظر إلى التمويل الخاص باعتباره أداة للتنمية المستدامة، لا مجرد مصدر لتمويل مشاريع متفرقة. فبدلاً من استقبال مبادرات منفصلة، يمكنها إطلاق برنامج واضح للمسؤولية المجتمعية، يحدد أولويات المدينة ويدعو الفعاليات الاقتصادية إلى المساهمة فيها وفق رؤية معلنة وشفافة.
عندها لن يكون السؤال من سيمول تجميل دوار؟
بل كيف يمكن للقطاع الخاص أن يشارك في تطوير المدينة بأكملها؟
فربما يمول أحدهم إعادة تأهيل مدرسة، وآخر مركزاً صحياً، وثالثاً مشروعاً بيئياً، ورابعاً تطوير حديقة عامة أو دعماً للنقل أو للتدريب المهني. هنا تصبح المسؤولية المجتمعية شريكاً حقيقياً في التنمية، لا مجرد مساهمة في تحسين المشهد البصري.
إن نجاح أي إدارة محلية لا يقاس بعدد المشاريع التي تفتتح، ولا بحجم التغطية الإعلامية التي ترافقها، بل بقدرتها على بناء مدينة أكثر قابلية للحياة. فالناس لا يحاسبون الإدارات على جمال الدوارات وحدها، بل على جودة حياتهم داخل المدينة.
لذلك فإن النقاش الدائر حول دوار الليرمون يجب ألّا يُختزل بين مؤيد للتجميل ومعارض له. هذا تبسيط لا يخدم أحداً. القضية الحقيقية هي بناء نموذج جديد في إدارة المدينة، تكون فيه الأولويات واضحة، والشراكات موجهة، والقرارات مبنية على احتياجات المجتمع لا على القيمة الإعلامية للمشاريع.
حلب تستحق أن تستعيد جمالها، لكن جمال المدن لا يبدأ من الحجر، بل من الإنسان. تبدأ المدينة الجميلة عندما يشعر سكانها أن الإدارة تنظر إلى احتياجاتهم قبل أن تنظر إلى الصورة، وأنها تعتبر القطاع الخاص شريكاً في التنمية لا ممولاً لمشاريع رمزية.
فالمدينة التي تحترم الإنسان ستصبح جميلة بالضرورة، أما المدينة التي تهتم بالصورة قبل الإنسان فقد تحصل على مشهد جذاب، لكنها تبقى عاجزة عن بناء حياة أفضل.
ففي النهاية، ليست المشكلة في دوار جرى تجميله، بل في الفلسفة التي تقف خلف اختيار المشاريع. وإذا كانت المحافظة تريد بالفعل أن تبني صورة جديدة لحلب، فإن أفضل صورة يمكن أن تقدمها ليست دواراً جميلاً، بل مدينة يشعر أهلها بأن أولوياتهم هي أولويات إدارتهم، وأن كل ليرة، سواء جاءت من المال العام أو من التمويل الخاص، وُضعت في المكان الذي يحقق أكبر أثر لحاضر المدينة ومستقبلها.
حلب لا تحتاج إلى مداخل جميلة فقط، بل إلى مستقبل أجمل. لا تحتاج إلى تحسين صورتها أمام الزائر فقط، بل إلى تحسين واقعها أمام أهلها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل نجمل المكان أم نخدم الإنسان؟
السؤال هو هل نملك إدارة تجعل جمال المكان نتيجة طبيعية لتحسن حياة الإنسان؟
لأن المدينة التي تُبنى للناس ستصبح جميلة، أما المدينة التي تُبنى للصورة فقط فستبقى صورة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288