بيان كثير الكلام.. قليل القرار
لم يكن البيان الصادر عن اتحاد غرف الصناعة السورية عقب اجتماع الهيئة العامة الثاني للاتحاد، المنعقد في 22 تموز بحضور وزير الاقتصاد والصناعة ونائبه ومعاونيه، مجرد خبر عن اجتماع دوري، بل كان يفترض أن يشكل محطة مفصلية تعكس بداية معالجة فعلية للأزمات التي أنهكت الصناعة السورية. إلا أن القراءة المتأنية للبيان تكشف مفارقة لافتة، فالصناعيون حضروا بقائمة مطالب معروفة ومكررة، بينما غادر ممثلو الحكومة من دون أن يعلنوا قراراً واحداً جديداً يلبي أياً منها.
لقد استعرض رئيس اتحاد غرف الصناعة، كما جاء في البيان، أبرز المطالب التي رفعها الاتحاد إلى الفريق الحكومي، وفي مقدمتها: إلغاء الرسوم الجمركية على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، تخفيض أسعار حوامل الطاقة إلى المستويات العالمية، إلغاء مكتب الدور والمناقلة على المنافذ البرية، تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل مع الدول المقيدة للصادرات السورية، فرض رسوم حماية ضد الإغراق، إخضاع المستوردات للفحص، وخفض الضرائب والرسوم المختلفة.
لكن السؤال البديهي هو: ما الجديد؟
هذه ليست مطالب ولدت في هذا الاجتماع، بل هي الملفات نفسها التي يكررها الصناعيون منذ سنوات، لأنها تمثل العوائق الأساسية أمام استمرار الإنتاج. الجديد كان يفترض أن يأتي من الطرف الحكومي، لا من الطرف الذي يعيد عرض معاناته للمرة العاشرة.
فالبيان، رغم طوله، لا يتضمن إعلاناً عن تخفيض الرسوم، ولا تعديل أسعار الطاقة، ولا إلغاء الإجراءات التي يشتكي منها الصناعيون، ولا تشكيل لجان بمهل زمنية ملزمة، ولا حتى تعهداً حكومياً واضحاً بموعد لمعالجة هذه الملفات. وبذلك بدا الاجتماع أقرب إلى جلسة استماع رسمية، منه إلى اجتماع لاتخاذ قرارات.
الأكثر إارة للانتباه كان حديث وزير الاقتصاد والصناعة، الذي أكد أن الوزارة تتجه نحو تمكين اتحاد غرف الصناعة ليكون القناة الرسمية والتنسيقية مع الحكومة، وأن دور الدولة يجب أن يقتصر على التيسير والتدخل الاستثنائي. هذا الطرح قد يبدو منسجماً مع اقتصاد السوق، لكنه بلغ ذروته عندما اختتم الوزير مداخلته، بحسب نص البيان، بدعوة مباشرة للصناعيين والاتحاد إلى «تقديم منظومة وطنية متكاملة لتطوير الصناعة تشمل رؤية واضحة ومؤشرات أداء دقيقة تحدد متطلبات النهوض بالصناعة الوطنية”.
وهنا تبرز علامة الاستفهام الكبرى.
فمن المسؤول عن إعداد المنظومة الوطنية للصناعة؟ هل هي الحكومة، ممثلة بوزارة الاقتصاد والصناعة، أم اتحاد غرف الصناعة؟
من الطبيعي أن يشارك الصناعيون في رسم السياسات، وأن يقدموا خبراتهم ومقترحاتهم، لكن من غير الطبيعي أن تتحول الحكومة إلى جهة تطلب من أصحاب المصلحة إعداد الاستراتيجية الوطنية التي يفترض أنها من صميم اختصاصها.
فالسياسة الصناعية ليست مجرد قائمة أمنيات يكتبها الصناعيون، بل هي منظومة تشمل التشريعات، والسياسة الضريبية، والسياسة الجمركية، والطاقة، والتمويل، والتعليم المهني، والاستثمار، والتجارة الخارجية، والبنية التحتية. وهذه كلها أدوات لا يملكها اتحاد غرف الصناعة، بل تملكها الدولة وحدها.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الوزارة تطلب من الصناعيين إعداد «منظومة وطنية متكاملة»، فما الذي أعدته هي منذ تسلمها مسؤولياتها؟ وأين هي الاستراتيجية الحكومية التي يفترض أن تُعرض على القطاع الخاص للنقاش والتطوير؟
إن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لا تعني نقل مسؤولية التخطيط إلى القطاع الخاص. فالدولة في اقتصاد السوق قد لا تدير المصانع، لكنها تبقى مسؤولة عن رسم السياسات العامة، وتهيئة البيئة الاستثمارية، واتخاذ القرارات التي تعالج اختناقات الإنتاج. أما الصناعيون فدورهم أن يكونوا شركاء في التنفيذ والتقييم، لا أن يتحملوا عبء صياغة السياسة الوطنية بدلاً من الحكومة.
والمفارقة أن البيان نفسه يؤكد أن سنوات طويلة مرت على الصناعة في ظل ظروف قاسية، وأن أعمال الاتحاد اقتصرت على الحد الأدنى بسبب ضعف الموارد، ثم يعود ليحمل هذا الاتحاد مهمة إعداد منظومة وطنية شاملة للنهوض بالصناعة، بينما تكتفي الوزارة بدور المستمع والمنتظر.
إن الصناعة السورية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الاجتماعات ولا إلى إعادة تدوير المطالب نفسها، بل تحتاج إلى قرارات تنفيذية واضحة ومواعيد زمنية ملزمة وإرادة سياسية تتحمل مسؤوليتها كاملة. فالقطاع الصناعي لم يعد يطالب بتشخيص أزماته، لأنه يعرفها جيداً، وإنما ينتظر من الحكومة أن تستخدم صلاحياتها لمعالجتها.
لذلك، فإن البيان، على الرغم من زخمه الإعلامي، كشف عن فجوة واضحة بين ما يطلبه الصناعيون وما تقدمه الحكومة. فالأولون أعادوا عرض قائمة معروفة من المطالب، بينما اكتفى المسؤولون بإطلاق عناوين عامة عن الاقتصاد الحر والشراكة، وانتهى الاجتماع بتكليف الصناعيين بإعداد رؤية وطنية، وكأن الدولة أصبحت تنتظر من القطاع الخاص أن يرسم لها الطريق الذي يفترض أنها جاءت أصلاً لقيادة السير فيه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288