دماء على طريق الإهمال... فاجعة دمشق– دير الزور التي كشفت المستور
في الخامس والعشرين من تموز 2026، استفاقت سورية على واحدة من أكثر الكوارث المرورية إيلاماً في السنوات الأخيرة. فقد أدى تصادم مروع بين حافلتين على طريق دمشق– دير الزور، في المنطقة الواقعة بين السخنة وتدمر، إلى مقتل 35 شخصاً وإصابة 30 آخرين، بعد أن اندلع حريق في إحدى الحافلتين، لتتحول الرحلة إلى مأساة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقد كانت إحدى الحافلتين تقل عدداً من منتسبي قوى الأمن الداخلي، بينما كانت الأخرى حافلة مدنية. ولا تزال الجهات المختصة تحقق في الأسباب المباشرة للحادث.
لكن الكارثة الحقيقية لا تكمن في الحادث وحده، بل فيما كشفه من واقع مرير ظل لسنوات يُؤجل الحديث عنه أو يُكتفى بوصفه بأنه «ظروف صعبة». فالطرق لا تقتل الناس وحدها، بل يقتلهم أيضاً الإهمال المزمن، وسوء الإدارة، وغياب الحد الأدنى من معايير السلامة.
طريق دمشق– دير الزور ليس مجرد طريق دولي، بل شريان يربط شرق البلاد بغربها، ومع ذلك لا يزال يعاني من تهالك واضح، ونقص في الصيانة، وافتقار إلى وسائل الأمان الحديثة. طريق طويل تعبره آلاف المركبات، لكنه يفتقد في أجزاء واسعة منه إلى ما يجب أن يتوافر في أي طريق دولي من بنية تحتية آمنة. وعندما تتحول الطرق إلى مصائد للموت، فإن الحديث عن حادث عرضي يصبح تبسيطاً مخلاً للمشكلة.
ولم تتوقف المأساة عند لحظة التصادم، بل امتدت إلى مرحلة الإنقاذ. فقد أعادت الكارثة طرح سؤال مؤلم: أين نقاط الإسعاف والطوارئ المنتشرة على هذا الطريق؟ وأين مراكز الدفاع المدني القادرة على الوصول خلال دقائق بدل أن يتحول عامل الزمن إلى شريك في زيادة عدد الضحايا؟ إن كل دقيقة يتأخر فيها الإنقاذ قد تعني فقدان حياة كان يمكن إنقاذها، وهو ما يجعل تطوير منظومة الاستجابة للطوارئ ضرورة لا تحتمل التأجيل.
كما سلط الحادث الضوء على واقع المشافي في المناطق الشرقية والوسطى، ولا سيما في تدمر ودير الزور، حيث برزت الحاجة إلى نقل عدد من المصابين إلى مشافٍ أخرى بعد استنفار واسع للقطاع الصحي. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزية المشافي الواقعة على الطرق الدولية للتعامل مع الحوادث الجماعية، وحول كفاية الكوادر الطبية والتجهيزات والإمدادات اللازمة لمواجهة الكوارث عندما تقع.
إن ما حدث لا ينبغي أن يمر باعتباره خبراً عابراً ينتهي بانتهاء مراسم الدفن. فكل كارثة من هذا النوع يجب أن تتحول إلى نقطة مراجعة شاملة لواقع الطرق، ومنظومة الإسعاف، وجاهزية الدفاع المدني، وقدرات المشافي. أما الاكتفاء ببيانات التعزية والأسف، فهو لا يمنع تكرار المأساة، ولا يعيد الضحايا إلى أسرهم.
لقد دفع خمسة وثلاثون إنساناً حياتهم ثمناً لحادث واحد، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: كم حادثاً آخر يجب أن يقع قبل أن تصبح سلامة الطرق أولوية وطنية؟ وكم أسرة أخرى يجب أن تفقد أبناءها قبل أن تُرصد الموارد اللازمة لصيانة الطرق، وإنشاء نقاط إسعاف وإنقاذ، وتعزيز قدرات المشافي في المحافظات البعيدة؟
رحم الله الضحايا، وشفى المصابين، لكن أفضل وفاء لهم ليس في كلمات الرثاء، بل في اتخاذ قرارات جادة تمنع أن تتكرر هذه الفاجعة على الطريق نفسه أو على أي طريق آخر في سورية. فالدول تُقاس بقدرتها على حماية حياة مواطنيها، وليس بعدد بيانات التعزية التي تصدرها بعد كل كارثة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288