قفزة في أسعار مستلزمات الإنتاج... والفلاح يدفع الثمن!
منية سليمان منية سليمان

قفزة في أسعار مستلزمات الإنتاج... والفلاح يدفع الثمن!

في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها الفلاح السوري، تناقلت مواقع التواصل مقطعاً مصوراً لفلاح في ريف حماة يقوم بإتلاف محصول «الخيار» الذي أنفق عليه ما لا يملك، ليخلص إلى أن ما جناه لا يساوي حتى ثمن البذار التي زرعها، وهذه ليست حادثة معزولة، بل صورة مختصرة لواقع زراعي ينهار تحت وطأة ارتفاع جنوني في أسعار الأسمدة والمبيدات والأدوية الزراعية، يفوق حتى وتيرة ارتفاع سعر صرف الدولار نفسه الذي تُسعر به.

في الأول من تموز 2025، سجل سعر صرف الدولار مقابل الليرة 9,950 ل.س، وبعد عام واحد بالضبط، قفز السعر إلى 13,100 ل.س، أي بارتفاع نسبته 31,65%.
لكن المفاجئ والمخيف في الوقت نفسه، أن أسعار الأسمدة قفزت بنسب تتراوح بين 30-48%، ووفقاً لتقارير البنك الدولي التي تؤكد ارتفاع أسعار الأسمدة عالمياً ومحلياً بنسب متقاربة، أي إن الزيادة فاقت ارتفاع سعر الصرف، وكأن ثمّة عاملاً آخر يعمل خلف الكواليس، لا علاقة له بتذبذب العملة، ليصبح الفلاح في حلقة مفرغة من الجشع!

ففي تموز 2026، بلغ سعر سماد اليوريا (كيس 50 كغ) نحو 600,000 ل.س، وكذلك سجل سماد السوبر فوسفات سعراً تجاوز 650,000 ل.س، في أرقام تنبئ بكارثة إنتاجية وشيكة.
ولم تتوقف القصة على الأسمدة، بل طالت المبيدات الحشرية والأدوية الزراعية بقفزات جنونية خلال الفترة المذكورة أعلاه، فمبيد «الألفا سايبر» الذي كان سعر اللتر منه نحو 154,000 ل.س وصل إلى 180,000 ل.س، بارتفاع نسبته 16,66%، أما مبيد «دمكتين» فكانت المفاجأة الأكبر، حيث قفز سعر اللتر من 80,000 ل.س إلى 240,000 ل.س، أي بارتفاع فاق 200%!
أي إن سعره بالدولار قفز من 6,1 دولارات، إلى 18,4 دولاراً، ليكون الفارق دليلاً قاطعاً على أن هنالك جشعاً تجارياً يتخفى خلف ستار تقلبات سعر الصرف.
ولم يتوقف الارتفاع عند هذا الحد، «فالـكبريت الذواب» قفز سعر الكيلوغرام منه بنسبة 50% ليصل إلى 260,000 ل.س، كذلك ظرف مانع التغذية ارتفع بالنسبة نفسها ليسجل 55,000 ل.س للظرف.
قد تبدو هذه الأرقام مجرد أصفار على الورق، لكنها بالنسبة للفلاح كارثة حقيقية، فالأسمدة والمبيدات تشكل نحو 45% من تكاليف الإنتاج الكلية، وهي مدخلات أساسية لا غنى عنها مع كل هذه القفزات، ليجد الفلاح نفسه أمام خيار واحد؛ إما تقليل استخدام الأسمدة والمبيدات إلى الحد الأدنى، ما يعني انخفاض الإنتاجية بنسب تتراوح بين 10% و25% وفقاً لبعض الاختصاصيين، أو الاستمرار بالشراء والغرق في ديون لا نهاية لها.

المستفيد الوحيد من هذه المعادلة هم حيتان التجارة والمستوردون في حلقات التوريد، وحيتان أسواق الهال والمصدرون في حلقات التسويق، ويحققون أرباحاً مضمونة، أما الخاسر فهو الفلاح الذي يتحمل أعباء الإنتاج دون أي ضمانات، والمستهلك (المفقر) الذي سيدفع لاحقاً ثمن ارتفاع أسعار السلع نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وهوامش استغلال مضاعفة لسلسلة حلقات الوساطة.
إن ما يحدث ليس مجرد تقلبات سوقية عابرة، بل هو نتيجة حتمية لسياسات اقتصادية تقوم على الترقيع بدلاً من التخطيط، وعلى اللا مبالاة بدلاً من الدعم الفعلي، فالدعم المفترض للفلاحين يتبخر في طريق وصوله إليهم، لصالح حلقات الوساطة والاستيراد التي تستنزف القطاع.

فمعالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تكون عبر إجراءات جزئية أو موسمية، بل تتطلب سياسة اقتصادية زراعية متكاملة تبدأ من تأمين الأسمدة كسلعة استراتيجية، عبر تشجيع الإنتاج المحلي وعقود استيراد طويلة الأجل تقلل تقلب الأسعار، ودعم مباشر وموجه للفئات الأكثر إنتاجاً. الأهم من ذلك، هو كسر احتكار حلقات التوريد والتسويق، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
فالفلاح السوري ليس بحاجة إلى وعود، بل إلى سياسات تنقذه من الغرق، قبل أن تتحول أراضي سورية الخصبة إلى صحارى قاحلة، ويصبح الأمن الغذائي مجرد ذكرى في كتب التاريخ، ومشهد فلاح حماة سيكون مجرد البداية!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288