الهزيمة ليست قدراً... لكن سياسات الإفقار تجعلها كذلك

الهزيمة ليست قدراً... لكن سياسات الإفقار تجعلها كذلك

لم تكن إشاعة رفع سعر الخبز، رغم نفيها الرسمي، مجرد خبر عابر. لقد كانت اختباراً لحجم الخوف الذي استقر في وعي السوريين بعد سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية. فالإشاعة لم تُرعب الناس لأنها مؤكدة، بل لأنها بدت قابلة للتصديق، ولأنها أعادت في لحظة واحدة استحضار ذاكرة ممتلئة بالخسارات المتراكمة. ففي بلد يعيش فيه المواطن على حافة الاحتمال، تصبح الإشاعة حدثاً اقتصادياً واجتماعياً بحد ذاتها، لأنها تلامس جرحاً مفتوحاً لا يندمل.

المواطن السوري لم يعد يخسر معركة واحدة، بل يخوض كل يوم حرب استنزاف على عشرات الجبهات. هزيمة الدخل أمام الإنفاق، وهزيمة القدرة الشرائية أمام الأسعار، وهزيمة الليرة أمام الدولار، وهزيمة الباحث عن عمل أمام البطالة، وهزيمة الأسرة أمام أبسط احتياجاتها. حتى الرغبات الصغيرة للأطفال لم تعد مجرد مطالب عائلية، بل تحولت إلى اختبارات قاسية لقدرة الأهل على حماية كرامتهم قبل تأمين احتياجات أبنائهم.
ولم تعد نشرات أسعار المشتقات النفطية مجرد قرارات إدارية، بل تحولت إلى نشرات هزيمة جديدة، تحمل معها ارتفاعاً في كلفة النقل والإنتاج والغذاء وكل تفاصيل الحياة. كما أن نشرات سعر الصرف في السوق الموازية أصبحت تعلن يومياً عن اقتطاع جزء جديد من القوة الشرائية للمواطن، وكأن دخله يتآكل وهو ينظر إليه عاجزاً عن الدفاع عنه.

المشكلة لم تعد في الأزمة وحدها، بل في الطريقة التي أُديرت بها. فبدل أن تكون الدولة خط الدفاع الأول عن المجتمع في مواجهة الانهيار الاقتصادي، اتجهت السياسات العامة نحو تقليص دورها الاجتماعي والاقتصادي، عبر رفع الدعم تدريجياً عن السلع والخدمات الأساسية، وخفض الإنفاق العام، وتوسيع الاعتماد على آليات السوق، في وقت كانت فيه القطاعات الإنتاجية الزراعية والصناعية تعاني أصلاً من ارتفاع التكاليف، وضعف التمويل، واختناقات الإنتاج، وعدم قدرتها على توليد فرص العمل والدخل.
إن أخطر ما فعلته هذه السياسات أنها نقلت كلفة الأزمة إلى المواطن، بينما بقيت أدوات الحماية الاجتماعية تتراجع عاماً بعد عام. فأصبح الفرد يواجه التضخم، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، وانخفاض الدخل، بقدراته الذاتية فقط، في معركة غير متكافئة مع قوى السوق.

ومع ذلك، فإن ما حال دون الانهيار الكامل حتى الآن ليس نجاح السياسات الاقتصادية، بل قدرة السوريين الاستثنائية على الصمود والتكيّف. لقد استطاعت الأسر، رغم كل شيء، أن تبتكر وسائل للبقاء، وأن تعيد ترتيب أولوياتها، وأن تتحمل ما لا يمكن تحمّله. هذا الصمود هو الذي أجّل الهزيمة الكبرى، لكنه ليس مورداً لا ينضب، ولا يجوز أن يتحول إلى ذريعة للاستمرار في تحميل المواطنين أثمان الأزمة.
فالصمود ليس سياسة عامة، والتكيف ليس برنامجاً اقتصادياً، والاحتمال ليس بديلاً عن العدالة الاجتماعية. وعندما تتحول سياسات الإفقار إلى نهج دائم، فإنها لا تكتفي بإضعاف المجتمع، بل تستنزف آخر ما يملكه من قدرة على المقاومة.
وإذا استمرت السياسات الاقتصادية بالاتجاه نفسه، فإن المواطن قد يربح بعض المعارك اليومية بفضل صبره وإصراره، لكنه سيخسر الحرب في نهاية المطاف. وعندها لن تكون الخسارة فردية، بل ستطال المجتمع بأكمله، لأن المجتمع الذي يتم استنزافه وتتسع فيه دوائر الفقر يفقد تدريجياً قدرته على الإنتاج والاستقرار والأمل.

المطلوب اليوم ليس مزيداً من تحميل الناس أعباء الأزمة، بل مراجعة جذرية للخيارات الاقتصادية والاجتماعية. المطلوب أن تستعيد الدولة دورها بوصفها الضامن للتوازن الاجتماعي، لا مجرد مراقب لحركة السوق. أن تعود إلى دعم الإنتاج الوطني، وحماية القطاعات الزراعية والصناعية، وتعزيز الإنفاق على الخدمات الأساسية، وإعادة بناء شبكة حماية اجتماعية حقيقية، بما يحفظ للمواطن حقه في حياة كريمة، ويصون كرامته المعيشية والخدمية.
كما أن المطلوب هو وضع ضوابط فعلية تحد من تغوّل قوى السوق والمضاربة والاحتكار، بحيث لا تبقى حياة الناس رهينة تقلبات الأسعار والمضاربين، ولا يصبح الخبز، والدواء، والطاقة، والنقل، مجرد سلع تخضع لمنطق الربح وحده.
إن المواطن السوري لا يطلب امتيازات استثنائية، بل يطالب بحقه الطبيعي في أن تكون الدولة إلى جانبه لا أن تتركه وحيداً في مواجهة السوق. وما لم يتحقق هذا التحول، ستبقى كل إشاعة اقتصادية قادرة على إثارة الذعر، وكل نشرة أسعار إعلاناً عن هزيمة جديدة، فيما يبقى الانتصار الحقيقي مؤجلاً إلى اليوم الذي تستعيد فيه السياسة الاقتصادية وظيفتها الأساسية؛ حماية الإنسان قبل الأرقام، والمجتمع قبل السوق.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288