حين يصبح السلاح قاضياً... من ينقذ الدولة قبل المجتمع؟

حين يصبح السلاح قاضياً... من ينقذ الدولة قبل المجتمع؟

لم يكن انفجار القنبلة اليدوية في مدينة طفس بريف درعا في 23 تموز 2026، الذي أودى بحياة شخصين وأوقع عدداً من الجرحى إثر مشاجرة بين مجموعة من الأشخاص، سوى الحلقة الأحدث في سلسلة متصاعدة من العنف المجتمعي الذي بات يفرض نفسه على المشهد السوري. هذه الحادثة ليست الأولى، وعلى الأرجح لن تكون الأخيرة إذا استمرت الخلافات الشخصية والعائلية تُحسم بالرصاص والقنابل بدل أن تُحسم بالقانون.

المقلق في الأمر أن استخدام القنابل اليدوية في نزاع مدني لم يعد يبدو حدثاً استثنائياً يثير الصدمة، بل أصبح جزءاً من واقع يتكرر في أكثر من محافظة، في مؤشر خطِر على حجم انفلات السلاح، وتراجع قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة، وتآكل هيبة القانون أمام منطق القوة.
فما يجري اليوم لم يعد مجرد ارتفاع في معدلات الجريمة، بل تحول تدريجي في طبيعة المجتمع نفسه. خلاف على كلمة، أو مشكلة عائلية، أو نزاع بين جيران، أو ثأر قديم، كلها أسباب كانت تُحل سابقاً عبر القضاء أو وجهاء المجتمع، لكنها باتت اليوم تنتهي في كثير من الأحيان بجنازات جديدة، ومصابين، وثارات جديدة، ومجتمع يزداد انقساماً.
وتكفي جولة سريعة على الحوادث التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية لإدراك حجم المشكلة.
ففي ريف دمشق، تحولت الخلافات العائلية إلى جرائم قتل داخل المنازل. ففي 4 تموز 2026، شهدت بلدة القاسمية خلافاً عائلياً انتهى بإطلاق نار داخل المنزل، ما أدى إلى مقتل سيدة وإصابة ابنها بجروح خطِرة. وبعد أقل من أسبوعين، وتحديداً في 17 تموز، تطور خلاف بين مجموعة من الشبان في منطقة السبينة إلى شجار مسلح انتهى بمقتل أحدهم برصاص مسدس. إنها حوادث تؤكد أن السلاح بات حاضراً في أدق تفاصيل النزاعات اليومية، وأن لحظة الغضب أصبحت كافية لإنهاء حياة إنسان.
وفي درعا، تجاوز الأمر استخدام البنادق والمسدسات إلى القنابل اليدوية. ففي بلدة الجيزة، تحول خلاف بين عائلتين إلى اشتباك استخدمت فيه الأسلحة النارية والقنابل اليدوية، وأسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم مصاب تعرض لثلاث طلقات نارية. وقبل ذلك، في 25 أيار 2026، أدى شجار بين أفراد في بلدة سهم الجولان إلى انفجار قنبلة يدوية وإصابة أحد المشاركين بشظاياها. ثم جاءت مأساة طفس لتؤكد أن استخدام المتفجرات في الخلافات المدنية لم يعد استثناءً، بل أصبح واقعاً بالغ الخطورة يهدد حياة المدنيين ويكشف حجم السلاح المنفلت المنتشر بين الأفراد.

وفي حلب، لم تكن الأحياء السكنية بمنأى عن هذه الظاهرة. ففي 20 تموز 2026، أعاد خلاف ثأري بين عائلتين في حي بني زيد إنتاج مشهد العنف، بعدما تحول إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخص وإصابة عدد من المدنيين، بينهم امرأة وطفل، إضافة إلى إصابة أربعة أشخاص من إحدى العائلتين. هنا لم يعد ثمن الخلاف يدفعه أطرافه فقط، بل أصبح المدنيون الأبرياء جزءاً من فاتورة الدم.
أما دير الزور، فقد شهدت بدورها حوادث تعكس خطورة السلاح المنفلت. ففي 24 حزيران 2026، قُتل طفل في بلدة مراط برصاصة طائشة خلال مشاجرة بين أقارب تطورت إلى إطلاق نار، في مشهد يختصر العبث الذي يدفع ثمنه من لا علاقة لهم بالخلاف. وبعد أقل من شهر، في 16 تموز، انتهى خلاف شخصي في منطقة الأشيطح بمقتل رجل بعد أن أطلق عليه عدة أشخاص النار مستخدمين أربع بنادق، وكأن الخلاف لا يمكن حسمه إلا باستعراض القوة.
وفي حمص، لم يكن المشهد مختلفاً. ففي 17 تموز 2026، تحول خلاف بين عدة أشخاص قرب منطقة العريضة في الريف الغربي إلى إطلاق نار أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخر، بينما شهد ريف حماة في 23 حزيران 2026 اشتباكاً بين عائلتين في قريتي الجيد والدرابلة استخدمت فيه الأسلحة الفردية، وانتهى بمقتل امرأة وإصابة عدد من الأشخاص، في حادثة تعكس كيف يمكن لخلاف قديم أن يتحول إلى مواجهة دامية بمجرد توفر السلاح.
القاسم المشترك بين جميع هذه الحوادث ليس المكان ولا الأطراف، وإنما غياب الرادع. فما إن يقع خلاف حتى يُستدعى السلاح بدل القانون، وتُستنفر العائلات بدل المؤسسات، ويصبح منطق القوة هو الفيصل. وهذه ليست أزمة أمنية عابرة، بل مؤشر على خلل عميق في العلاقة بين المواطن والدولة.

إن انتشار الأسلحة الفردية بهذا الشكل، ووصول استخدامها إلى القنابل اليدوية في نزاعات مدنية، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تجاوزات فردية. إنه نتيجة تراكم سنوات من انفلات السلاح، وضعف ضبط حيازته، وتراجع هيبة الدولة، واهتزاز ثقة المواطنين بقدرة مؤسسات إنفاذ القانون على التدخل السريع والحاسم، فضلاً عن شعور متزايد لدى البعض بأن استخدام السلاح قد يمر من دون عقاب رادع.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالدولة لا تُقاس فقط بوجود مؤسساتها، وإنما بقدرتها على فرض القانون واحتكار استخدام القوة. وعندما يصبح السلاح وسيلة لحل الخلافات اليومية، فإن هيبة الدولة تتراجع تلقائياً، ويحل محلها قانون العصبية والثأر وفرض الأمر الواقع.
إن استمرار هذا الواقع دون معالجة جذرية سيؤدي إلى نتائج تتجاوز ارتفاع أعداد القتلى والجرحى. فهو يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوض الثقة بمؤسسات العدالة، ويغذي دوائر الانتقام، ويهدد النسيج الاجتماعي الذي أنهكته سنوات الحرب. فكل رصاصة تطلق في مشاجرة، وكل قنبلة تلقى في حي سكني، لا تقتل ضحية فحسب، بل تصيب فكرة الدولة في صميمها.

إن استعادة الدولة لدورها وهيبتها لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية ملحة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، ومحاسبة كل من يستخدم السلاح في النزاعات المدنية محاسبة سريعة وحاسمة، بالتوازي مع إعادة بناء ثقة المواطنين بأن حقوقهم لا تُنتزع بالقوة، وإنما يحميها قانون عادل ودولة قادرة.
أما الاستمرار في تأجيل هذه المواجهة، فلن يعني سوى منح الفوضى مزيداً من الوقت لتترسخ، ومنح السلاح مزيداً من الشرعية غير المعلنة، ومنح ثقافة الثأر والإفلات من العقاب فرصة أكبر لابتلاع ما تبقى من السلم الأهلي. وعندها لن يكون الخاسر أفراداً سقطوا في مشاجرات، بل ستكون الدولة نفسها، ومعها المجتمع بأكمله.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288