الذرة الصفراء في الرقة... موسمٌ يذبل تحت وطأة التكاليف
نور الإبراهيم نور الإبراهيم

الذرة الصفراء في الرقة... موسمٌ يذبل تحت وطأة التكاليف

كانت محافظة الرقة، ما قبل عام 2011، تنتج وحدها نحو 150 ألف طن من الذرة الصفراء سنوياً على مساحة تجاوزت 21 ألف هكتار. لكن الموسم الحالي يشهد تراجعاً في المساحات المزروعة بنسبة تناهز 50%؛ وهو انهيار لا يُعزى إلى الجفاف أو الحرب فقط، بل إلى معادلة إنتاجية خاسرة صاغتها تكاليف خيالية، وسياسات متضاربة، واحتكار طاحن.

تكاليف «تكسر الظهر»!


تشكو الغالبية العظمى من المزارعين من الارتفاع الكبير في التكاليف، وقد فضل قسم كبير منهم ترك أراضيهم بوراً بعد حصاد موسم القمح هذا العام، مُفضلين الخسارة المقدَّرة على المجازفة بديون تطاردهم لسنوات.
فقد قفزت تكلفة زراعة الدونم الواحد من الذرة الصفراء إلى نحو 185 دولاراً، بعد أن بلغت العام الماضي 100 دولار. ويتوزع هذا المبلغ بين شراء البذار المستورد، والأسمدة الآزوتية (اليوريا)، وأجور اليد العاملة، والحراثة، والري، والمحروقات، والنقل.
وتشير الأرقام إلى أن سعر طن اليوريا وحده بلغ مستويات قياسية تراوحت بين 720 و740 دولاراً للطن، وهو ضعف السعر العالمي تقريباً، الذي يبلغ 446 دولاراً. ما جعل التسميد، وهو عنصر جوهري، عبئاً كبيراً.
أما المحروقات فهي حكاية أخرى؛ فقد بات المزارع يُكافح اليوم لتأمين احتياجاته بأسعار تشهد زيادة يومية.


الدَّين المؤجل


ونتيجة غياب السيولة، خاصة لتأخر تسليم مستحقات محصول القمح، لم يجد المزارعون مفراً من اللجوء إلى نظام الدَّين، الذي تحول إلى فخ مالي محكم.
فيحصل المزارع على البذار والأسمدة والمبيدات من الوكلاء والصيدليات الزراعية بالدَّين، على أن يسدد القيمة بعد الحصاد، لكن بنسبة زيادة تصل إلى 40% فوق السعر النقدي.


أزمة المجففات ... أزمة كل عام


يعاني المزارعون كل عام من نقص المجففات، التي تحولت من خدمة أساسية تقدمها الدولة دعماً لهم، إلى «هبة» يسيطر عليها القطاع الخاص، الذي فرض تسعيراً باهظاً، يلتهم أي هامش ربح متبقي.
وبات المزارعون منذ سنوات يعمدون إلى تجفيف المحصول بنشر الذرة على الأسطح والشوارع، وهي آلية تُخفض الجودة، وبالتالي السعر. وهكذا يجد المزارع نفسه أمام تكاليف منهِكة تدفعه إلى الانسحاب من دورة الإنتاج تماماً.
وهذه الآلية لا تضر بالمزارع فقط، بل تخدم وبشكل واضح مصالح كبار المستوردين والتجار، المستفيدين من تراجع الإنتاج المحلي لتبرير فتح باب الاستيراد، وتحويل سورية بالمحصلة إلى سوق استهلاكية دائمة، على حساب المنتج المحلي والأمن الغذائي.


من يدفع الثمن؟


يُعد التراجع الحاد في زراعة الذرة الصفراء إنذاراً حقيقياً، فالذرة ليست محصولاً استهلاكياً عادياً، بل المادة الأساسية للأعلاف التي تغذي قطاع الدواجن والثروة الحيوانية.
وانخفاض إنتاجها يعني ارتفاع أسعار الأعلاف، ثم ارتفاع أسعار اللحوم والبيض والحليب، لتطال الموجة جيب المواطن المفقر.
وفي الوقت نفسه يُترك المزارع، سواء في الرقة أو غيرها، فريسة لتسعير التجار والسوق السوداء، من دون أي تدخل حكومي لدعم المحصول أو شرائه.


الفائز الأوحد!


في هذه المعادلة القاسية ثمة طرفان واضحان. الأول هو المزارع الذي يخسر موسمه ومدخراته وأمله. والثاني، هو الرابح الأكبر المتمثل في تحالف المصالح بين كبار المستوردين، وأصحاب المجففات الخاصة، والسماسرة المرتبطين بالوكلاء، وكل من يستفيد من تحويل الزراعة السورية إلى أرض خصبة للفساد والريع.
وفي الوسط، يقف الأمن الغذائي الذي يُدفن مع كل دونم يترك بوراً، وكل طن من الذرة يُستورد بدل أن يُنتج محلياً. فالمزارع الذي كان يُطعم البلاد، يُطعم ديونه اليوم فقط، بينما تتضخم ثروات القلة على حساب جوع الأكثرية!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288