تحت غطاء «الإصلاح...» السياسات الاقتصادية تسرق لقمة عيش المفقرين...!
في مشهد يعيد إنتاج أقسى صور التهميش، يجد عشرات الآلاف من موظفي العقود في القطاع العام أنفسهم خارج أسوار مؤسساتهم، تحت عناوين برّاقة عن «إعادة الهيكلة، ترشيد الإنفاق، محاربة الترهل الإداري ومقتضيات المصلحة العامة»، لكنها أصبحت سياسة عامة مُتعمدة لتسريح العمال، وتفاقمت هذه الكارثة الإنسانية حين طالت الفئة الأكثر هشاشة «الأشخاص ذوي الإعاقة»، الذين كانوا يشكلون نموذجاً نادراً للاندماج في مؤسسات الدولة، وفق نسبة الـ 4% التي كفلها لهم قانون العاملين الأساسي.
فبينما تبرر السلطة قراراتها بحجج فضفاضة، يدفع هؤلاء الموظفون ثمناً باهظاً لفقر مدقع، أمام غياب أي بدائل أو شبكات أمان اجتماعي.
قناع للتبرير...
حاولت السلطة تقديم قرار تسريح العمال كإجراء إداري بحت يهدف إلى «تحسين الكفاءة»، إلا أن الحقيقة المُرّة تكشف أن هذه السياسات ليست أكثر من أداة لتصفية حسابات اجتماعية تحت غطاء برّاق.
فالقرار رقم «2533» الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في آب 2025، والذي حصر صلاحية تجديد العقود السنوية بموافقتها حصراً «في ضوء الحاجة الماسة» أُلغي في 9/6/2026 لتنتقل الصلاحيات للمؤسسات ووفق حاجتها، ليحوّل مصير آلاف العائلات إلى رهن معايير غامضة وتقديرات شخصية.
والأكثر خطورة أن هذا القرار طُبّق بشكل انتقائي،
فبينما جرى تجديد عقود البعض، أُنهيت عقود آخرين دون مبرر واضح، وهو ما يؤكد أن معيار «الحاجة الماسة» ليست سوى غطاء لتبرير قرارات فصل تعسفية.
حين يُستهدف الأكثر احتياجاً
إذا كانت سياسة التسريح كارثية، فإن تطبيقها على الأشخاص ذوي الإعاقة يرقى إلى مرتبة «الجريمة الأخلاقية والإنسانية».
فهؤلاء الموظفون الذين أمضوا بين 12-15 عاماً في الخدمة وعُيّنوا بموجب نص
قانوني صريح، لم يكونوا يوماً «فائضاً» كما تروج التبريرات الرسمية، بل كانوا يؤدون مهامهم بكفاءة ويقدمون خدمات حقيقية لمؤسساتهم.
فتحدثت تقارير عن حالات لمكفوفين في طرطوس ودمشق وحلب، أنهيت عقودهم في مديريات المرفأ ومعمل الإسمنت والسكك الحديدية ووزارة الزراعة وأحدهم، معيل لخمسة أفراد، وهذا كله في بلد يعيش فيه تسعة من كل عشرة سوريين في فقر، وواحد من كل أربعة عاطل عن العمل.
وعليه، فالتعامل مع هذه الفئة على أنها فائض وظيفي يتناقض مع الغاية من القانون نفسه، الذي وُضع لتمكينها لا لإعادتها إلى نقطة الصفر.
الجوع بديل، وسوق عمل لا يرحم
يُحاول البعض تبرير هذه السياسات بالقول إن سوق العمل أو المشاريع الاستثمارية الواعدة التي (لم ولن تبصر النور على ما يبدو) ستستوعبهم وتستقطبهم، لكن هذا الكلام محض هراء ومُعّد للاستهلاك الإعلامي، فسوق العمل السوري مشوه أصلاً، ويعاني من بطالة متفشية، ولا يوفر فرصاً حتى للسليم، فكيف بالمكفوف وذوي الإعاقة الذي يواجه صعوبات مضاعفة في التنقل والحصول على عمل وبديل مناسب؟!
الحقيقة أن إنهاء عقود هؤلاء الموظفين يعني دفعهم وعائلاتهم نحو الجوع والمزيد من الفقر، في ظل غياب أي شبكات أمان اجتماعي أو تعويضات عادلة. فالعامل المسرّح لا يفقد راتبه فقط، بل يفقد قدرته الشرائية، ما ينعكس مباشرة على أسرته ومجتمعه، إنه قرار يدفع بضحايا الحرب والفقر إلى مزيد من المعاناة، ويجردهم من آخر ما تبقى لهم من كرامة.
ختاماً، لا يمكن القبول بتبريرات «إعادة الهيكلة «كذريعة لتجريد الفئات الأكثر ضعفاً من حقوقها الأساسية. فالتغيير الحقيقي لا يكون بتسريح العمال وتجويع الأسر، بل بمكافحة فعالة للفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، وبناء اقتصاد منتج يخلق فرص عمل حقيقية.
إن تجديد عقود الأشخاص ذوي الإعاقة ليس «منّةً» بل حق قانوني وإنساني كفله الدستور والقوانين. والمطلوب اليوم، قبل فوات الأوان، إيقاف نزيف الفصل التعسفي فوراً، وإعادة النظر في هذه السياسات المجحفة، وإعطاء ذوي الإعاقة استثناءات واضحة تضمن استمرارهم في وظائفهم، ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم جزء أصيل من نسيج هذا المجتمع، ولأن إنصافهم وصون الكرامة الإنسانية لأي مواطن هو المعيار الحقيقي لأي تغيير ولبناء دولة قادرة على الصمود، فإما أن تكون هذه السياسات مجرد استمرار لنهج الإقصاء تحت مسمّيات جديدة، أو أن تكون بداية لعدالة اجتماعية حقيقية تضع الإنسان في قلب كل قرار.
والخيار، حتى الآن، يبدو واضحاً ومؤلماً...!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288
رهف ونوس