القامشلي... رسوم تفريغ القمح جباية تثير الشبهات
تتواصل شكاوى المزارعين في محافظة الحسكة بشأن الأعباء المالية المرافقة لتسويق محصول القمح إلى مراكز الاستلام، وسط مطالبات بمراجعة الرسوم المفروضة وضمان الشفافية في آليات استيفائها، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع الزراعي.
وأثارت إحدى الحالات التي برزت خلال الأيام الماضية تساؤلات واسعة بعد استيفاء مبلغ يقارب مليوناً و860 ألف ليرة سورية من أحد المزارعين تحت بند «أجرة تفريغ الحمولة» أثناء توريد محصوله إلى صوامع القامشلي، رغم أن عملية النقل تمت بوساطة سيارة قلاب تتيح تفريغ الحمولة آلياً، ما دفع عدداً من المزارعين إلى التشكيك في مبررات هذه الرسوم والأساس الذي تُحتسب بموجبه.
وتكتسب هذه القضية بعداً إضافياً في ضوء المعطيات المتداولة التي تشير إلى أن متعهد العتالة يتقاضى أجور التفريغ من مؤسسة الحبوب وفق سعر يبلغ 26 ألف ليرة سورية عن كل طن، ما يعني أن المؤسسة تتحمل هذه الأجور بموجب العقد الموقع مع المتعهد. وفي المقابل، فإن استيفاء المبلغ نفسه من المزارعين، بحسب الادعاءات، يعني عملياً تحصيل أجور التفريغ مرتين؛ مرة من المؤسسة، ومرة أخرى من المورد.
وبحسب ما أفاد به عدد من المزارعين، فإن القضية لا ترتبط برسوم رسمية تستوفيها إدارة المركز، وإنما بالعلاقة المباشرة بين الفلاح ومتعهدي العتالة أثناء عمليات التنزيل، حيث تحدث، وفق رواياتهم، حالات مساومة وابتزاز لحظية تستغل حاجة الفلاح إلى إتمام عملية التسليم، في حين يتجنب مدير المركز التدخل باعتبار أن هذه الممارسات تتم خارج الأطر القانونية ولا تصدر بشأنها أي وصولات رسمية، الأمر الذي يصعّب إثباتها أو مساءلة القائمين عليها.
ويؤكد مزارعون أن المبالغ المطلوبة لا تكون ثابتة، وإنما تختلف بحسب كمية المحصول وتوقيت التسليم ومدى معرفة المورد بحقوقه أو قدرته على رفض الدفع، وقد تصل في بعض الحالات إلى ما يعادل نحو مئة دولار، زيادة أو نقصاناً.
وتأتي هذه الإشكالات في وقت يعتمد فيه آلاف المزارعين في الجزيرة السورية على موسم القمح بوصفه المصدر الرئيسي لدخلهم السنوي، بعد أشهر من الإنفاق على تجهيز الأراضي وشراء البذار والأسمدة والمحروقات، إضافة إلى تكاليف الحصاد والنقل، ما يجعل أي اقتطاعات إضافية عند التسويق تؤثر بصورة مباشرة في العائد النهائي الذي يحصل عليه المنتج.
ويشير مزارعون إلى أن تكاليف إنتاج القمح ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة نتيجة الزيادة المستمرة في أسعار مستلزمات الزراعة، الأمر الذي أدى إلى تراجع هامش الربح، فيما تزيد الرسوم والاقتطاعات المرافقة لعملية التسويق من الضغوط الاقتصادية التي يتحملها الفلاح.
ولا تقتصر أهمية القضية على قيمة المبالغ المستوفاة، بل تمتد إلى ضرورة وضوح الإجراءات الإدارية والمالية الناظمة لعمليات استلام المحاصيل الاستراتيجية. ويؤكد المزارعون أن من حقهم معرفة الرسوم الرسمية وآليات احتسابها، والحصول على وصولات تبين طبيعة أي مبالغ يتم اقتطاعها من مستحقاتهم، بما يعزز الشفافية والثقة بعمليات التسويق.
ويرى مختصون في الشأن الزراعي أن دعم إنتاج القمح لا يقتصر على تحديد أسعار شراء مناسبة، بل يتطلب أيضاً تخفيف الأعباء المرافقة للتسويق، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ومنع أي رسوم أو ممارسات غير واضحة قد تؤثر في رغبة المزارعين بتوريد محاصيلهم إلى المراكز الرسمية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في محافظة الحسكة، التي تعد من أبرز المناطق المنتجة للقمح في سورية، حيث يشكل المحصول ركناً أساسياً في الأمن الغذائي ومصدراً رئيسياً لدخل عشرات آلاف الأسر العاملة في الزراعة، ما يجعل أي إشكالات تتعلق بعمليات التسويق أو الرسوم المفروضة تنعكس مباشرة على واقع الإنتاج الزراعي وأوضاع الفلاحين المعيشية.
وفي هذا السياق، يطالب مزارعون بفتح تحقيق في آلية استيفاء رسوم تفريغ القمح في صوامع القامشلي، ونشر توضيحات رسمية تحدد طبيعة هذه الرسوم وأسس احتسابها، إلى جانب إلزام جميع مراكز الاستلام بإصدار وصولات رسمية تبين تفاصيل أي مبالغ تُقتطع من مستحقات الموردين.
كما تثير التقديرات المتداولة بشأن حجم الأموال المتحصلة مزيداً من التساؤلات؛ إذ تشير إلى أن صومعة تستلم نحو 50 ألف طن من القمح خلال الموسم مثلاً، ومع اعتماد أجر تفريغ يبلغ 26 ألف ليرة للطن، فإن القيمة الإجمالية لهذه الرسوم تصل إلى نحو 1.3 مليار ليرة سورية. وإذا كانت هذه المبالغ تُستوفى أيضاً من المزارعين، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول الجهة المستفيدة منها ومدى قانونية هذا الإجراء.
ويرى المزارعون أن تعزيز الشفافية في عمليات تسويق القمح، ومعالجة أي ممارسات قد تزيد من الأعباء المالية على المنتجين، يشكلان خطوة ضرورية لحماية حقوقهم، ودعم استمرارهم في زراعة أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في البلاد، في ظل التحديات الاقتصادية والإنتاجية المتزايدة التي يواجهها القطاع الزراعي.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286