عندما تنخفض المحروقات ويبقى المواطن أسير أجور النقل المرتفعة

عندما تنخفض المحروقات ويبقى المواطن أسير أجور النقل المرتفعة

في سورية، باتت العلاقة بين أسعار المشتقات النفطية وأجور النقل تبدو واضحة في اتجاه واحد فقط؛ عندما ترتفع أسعار المحروقات، ترتفع معها أجور النقل بسرعة، وتُقدم زيادة التكاليف كسبب كافٍ لفرض تعرفة جديدة. أما عندما تنخفض أسعار المحروقات، فإن المواطن ينتظر طويلاً ليرى أثراً لهذا الانخفاض، وغالباً لا يراه.

هذه المفارقة عادت إلى الواجهة بعد انخفاض أسعار المشتقات النفطية في الآونة الأخيرة، إذ كان من المفترض أن ينعكس هذا التراجع على أجور النقل باعتبار الوقود أحد أهم عناصر كلفة تشغيل وسائل النقل، وخصوصاً المازوت الذي تعتمد عليه نسبة كبيرة من وسائل النقل العامة.

وتظهر الأرقام أن الانخفاض لم يكن شكلياً أو محدوداً. ففي النشرة السعرية الصادرة بتاريخ 7 أيار 2026، كان سعر ليتر بنزين أوكتان (90) يبلغ 146,3 ليرة سورية جديدة، وسعر ليتر المازوت 117,04 ليرة جديدة. ثم جاءت النشرة الجديدة الصادرة بتاريخ 28 حزيران 2026 لتخفض سعر ليتر بنزين أوكتان (90) إلى 125 ليرة، أي بانخفاض قدره 21,3 ليرة لليتر الواحد وبنسبة تقارب 20 بالمئة، كما انخفض سعر ليتر المازوت إلى 107 ليرات، أي بتراجع قدره 10,04 ليرات وبنسبة تبلغ نحو 14,37 بالمئة.

هذه النسب كافية لطرح سؤال مشروع: إذا كان ارتفاع سعر المازوت سابقاً مبرراً أساسياً لرفع أجور النقل، فلماذا لا يكون انخفاضه مبرراً لإعادة النظر بهذه الأجور وخفضها بما يتناسب مع انخفاض الكلفة؟

المشكلة ليست في الاعتراف بصعوبات قطاع النقل أو تجاهل الأعباء التي يتحملها السائقون وأصحاب المركبات، من صيانة وقطع غيار وزيوت وتكاليف تشغيل. لكن المشكلة تكمن في أن هذه المبررات تظهر بقوة عند ارتفاع الأسعار، ثم تختفي تماماً عندما تنخفض التكاليف.

فعند كل زيادة في أسعار المحروقات، لا ينتظر المواطن طويلاً حتى يسمع المطالبات برفع التعرفة، بل يجد نفسه أحياناً أمام أجور جديدة قبل صدور القرارات الرسمية. أما عند انخفاض الأسعار، فلا أحد يبادر إلى إعادة الحسابات، وكأن الانخفاض لا يعني قطاع النقل ولا يمس المواطن.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد أجرة وسيلة نقل: أين هي العدالة في آلية التسعير؟ ومن يضمن أن تصل آثار الانخفاضات الاقتصادية إلى المواطن كما تصل إليه آثار الارتفاعات؟

المواطن السوري لا يطلب تحميل السائقين ما لا يحتملون، لكنه يطلب قاعدة بسيطة وعادلة: أن تنعكس تغيرات التكاليف في الاتجاهين، لا أن تكون الزيادة حقاً مكتسباً بينما يصبح التخفيض موضوعاً مؤجلاً.

فليس من المنطقي أن يتحمل المواطن وحده أعباء ارتفاع الأسعار، ثم يُطلب منه الانتظار عندما تنخفض. وليس عادلاً أن تكون علاقة التعرفة بالمحروقات قوية عند الصعود وضعيفة عند الهبوط.

إن إعادة النظر بأجور النقل بعد انخفاض أسعار المشتقات النفطية ليست منة من أحد، بل تطبيق لمبدأ اقتصادي بسيط؛ عندما تنخفض كلفة الإنتاج أو التشغيل، يجب أن يشعر المستهلك بجزء من هذا الانخفاض.

وإلا فإن المواطن سيبقى في المعادلة نفسها دائماً؛ يدفع فوراً عند ارتفاع الأسعار، وينتظر طويلاً عندما تنخفض.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1286