النفايات تتنفس في حماة، حين تصبح المكبات ساحات موت صامت...!
في قلب حماة، وتحديداً في حيّ التعاونية وشارع النصر، لم يعد السؤال عن موعد ترحيل القمامة، بل كيف تحوّل «المكب التجميعي المؤقت» إلى مطمر دائم يسرق الهواء والماء والأمان من السكان؟!
ففي ذروة الصيف، تختلط روائح النفايات المتعفّنة بأزيز الذباب وجحافل القوارض والكلاب الشاردة، بينما ينام الضمير الرسمي على وقع تصريح تهكّمي يؤكد أن الحديث عن العديد من الشكاوى لا يعكس الواقع بدقة، وكأن معاناة السكان تُقدّر بعدد الشكاوى!
الهندسة المقلوبة للخدمات
الناظر إلى خريطة الخدمات يكتشف العبث بسرعة، فالمكبّ يقع بالقرب من حديقة «الحرش» وعلى مرأى من منازل الحي، والأخطر أنه على مقربة من بئرين يغذّيان المنطقة بمياه الشرب، فالفكرة الأساسية «لنقطة التجميع» تقوم على أن تكون شبه فارغة دائماً بفضل الترحيل الفوري والمنتظم، أما ما يجري فهو تأجيل متعمّد لعملية الترحيل، مما يؤدي إلى تراكم أطنان القمامة حتى تلامس قامة البشر، ويتحوّل المكان إلى مطمر بكل ما تعنيه الكلمة من تلوّث.
إن الفرق بين التجميع المؤقت والطمر العشوائي ليس لعبة لفظية، بل هو الحدّ الفاصل بين إدارة نفايات تحترم الإنسان، وعدوان بيئي يفتك بصحّته.
المديرية تنتظر التقارير الرسمية...!
حين وصلت شكاوى الأهالي إلى أسماع المعنيّين، خرج مدير مديرية النظافة «معتصم الدبيك» في تصريح لصحيفة «الوطن» بتاريخ 2/7/2026، في تنصل مريب من المسؤولية، «لم يردنا سوى شكوى واحدة»، وكأن الروائح التي تقتحم الصدور، والحشرات التي غزت البيوت، والليشمانيا التي تحتاج إلى حاضنة قذرة فقط كي تتفشى، كلّها مُطالبة بأن تملأ «استمارة شكوى رسمية»!
والأدهى تأكيده أنه «لم يرد أي تصريح أو تقرير صحي أو بيئي» يُثبت الضرر، متجاهلاً أن دور المديرية الوقائي يوجب التحرّك قبل أن ينهض التقرير على أجساد المصابين، أما عن البئرين، فوصفهما بأنهما «مجرد ادعاءات»، في إنكار يذكّر بمن يغلق عينيه كي لا يرى الحريق!
حيالين...
المشهد الأكثر قسوة لا يتوقّف عند حدود حماة المدينة، إنما في بلدة حيالين بريف حماة الشمالي الغربي، يتكرّر السيناريو نفسه، مكبّ عشوائي يلتهم الأراضي الزراعية، ويفسد المحاصيل، كما ينشر الأمراض، ومزارعون هناك شهدوا بأعينهم كيف تحوّلت حقول القمح والزيتون إلى أراضٍ جرداء بفعل عصارة النفايات، وكيف أشعل النبّاشون النار في المكبّ فامتدّ اللهيب إلى موسم الحصاد وأتى على ما تبقّى من رزقهم، فقد أفاد مختار البلدة بأن أحد المزارعين فقد نحو 250 شجرة زيتون بسبب الأمراض التي انتشرت في محيط المكب.
شهاداتهم تؤكّد أن الجريمة البيئية لا تعرف حدوداً إدارية، بل تصنعها سياسة واحدة قوامها الإهمال وترحيل الأزمة من مكان إلى آخر.
تخفيض الإنفاق... والمفقرون يدفعون الثمن
يُختزل الملف في ذرائع نقص التمويل والآليات والمحروقات والصيانة «وهذا مبرر جزئي»، لكن الأسوأ حين يُصنّف قطاع النظافة ضمن سياسة «تخفيض الإنفاق العام»، لتكون النتيجة كارثة موصوفة.
المطلوب ليس إصلاحاً هنا أو ترقيعاً هناك، بل تغيير جذري في العقلية التي تتعامل مع ملف النفايات والنظافة كأنه «هامشي» بينما هو في العمق اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة لكرامة مواطنيها.
فكل ليرة «تُوفّر» على حساب صحّة السوريين، ستُدفع لاحقاً أضعافاً مضاعفة في فواتير العلاج وانهيار البيئة.
ختاماً، ما لم يُرفع مكبّ التعاونية فوراً، وما لم يُنقل بعيداً عن الأحياء السكنية والآبار وكذلك الأمر في مكب حيالين، وما لم يتحوّل التجميع إلى ترحيل فوري لا يعرف التأجيل، فإن حماة وغيرها من المحافظات (لكون ما يجري فيها ليس استثناء) لا تواجه أزمة نفايات فقط، بل تواجه أزمة سياسات حكومية ظالمة تتفنن في سلب المواطن حقه بالعيش الكريم!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
منية سليمان