حين يتحول الأثاث إلى سلعة نجاة في زمن الانهيار
في مشهد يعيد تعريف الفقر في سورية، تحولت مقتنيات المنازل من ذاكرة حية إلى سلع رخيصة في أسواق المستعمل، بين بائع وشارٍ يئنان تحت وطأة «الحاجة».
ففي كل زقاق وحي من أحياء المدن السورية، يتردد صدى صوت ينادي «أي شي للبيع» مع التنويه أنها أغراض مستعملة حصراً، فيما تزدحم صفحات التواصل الاجتماعي بعروض مقتضبة، «ثلاجة بحالة جيدة للبيع»، «كنب استعمال خفيف».
لكن ما تخفيه هذه العبارات الموجعة ليس رغبة في التجديد، بل قصص عائلات لم تعد تجد أمامها سوى التخلي عن ذكرياتها ومقتنياتها لتأمين جزء من النفقات اليومية أو سداد جزء صغير من الديون في عملية تنم عن تحول جذري في أولويات الإنفاق، حيث أصبحت الكرامة الإنسانية رهينة لقدرة السوق على استيعاب ما تبقى من أثاث منزلي للبيع.
معادلة الاستغلال، والحاجة سيد الموقف
يقف الطرفان «المفقران» في سوق الأثاث المستعمل، تحت ضغط الفقر والعوز ورحمة وجشع حيتان النهب، فالبائع الذي يئن تحت وطأة تكاليف العلاج أو أقساط الديون، يضطر للبيع بأبخس الأثمان لأنه «محتاج»، والكلمة هنا ليست وصفاً، بل حكم إعدام على أي مفاوضة أو مساومة. وفي المقابل، يجد الشاري نفسه أمام خيارين: إما شراء المستعمل بالسعر المطروح - الذي قد يكون مرتفعاً نسبياً - أو دفع أضعافه ثمناً للبديل الجديد.
إنها حلقة مفرغة من الاستغلال المتبادل، حيث يخسر الطرفان بينما يربح الوسطاء والسماسرة والمحال التي تحتكر السوق، وتتحول حاجة الإنسان إلى سلعة يتاجر بها الجشع.
كل ما هو قابل للبيع
لم يعد بيع الأثاث هو الحل الأخير، فقد تجاوز السوريون ذلك إلى بيع سيارة أو أرض «إن وجدت» في مشهد يعكس عمق المأساة، وذلك على أمل أن يسد الفارق السعري ديوناً متراكمة أو فاتورة علاج، وفي حالات أكثر قسوة، تُباع البيوت لتأمين تكاليف عملية جراحية بملايين الليرات، في تنازل عن آخر ما تبقى من مأوى وأمان، وكأن المواطن السوري يدفع ثمن بقائه على قيد الحياة ببيع كل ما يربطه بالحياة ذاتها.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الغالبية يلجؤون إلى تسويق أثاثهم عبر أسواق إلكترونية على فيسبوك مثلاً أملاً بسعر أفضل!
انهيار الدخل وفجوة لا تُسد... السياسات قلب الكارثة
في مقابل دخل لا يتجاوز في المتوسط 1,5 مليون ل.س شهرياً، تواجه العائلات السورية إنفاقاً فعلياً على تكاليف المعيشة بالحد الأدنى لأسرة مكونة من خمسة أفراد 7,987,917 ل.س حسب «مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة» بتاريخ 28 حزيران، هذه الفجوة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج سياسات حكومية ظالمة بحق الغالبية المفقرة عقدت عزمها على الاستمرار برفع الدعم تدريجياً حتى إنهائه لتتسع دائرة الأعباء على المواطن وتفيض عن قدرته على تحمل تكاليفها الباهظة، رغم ضبط وضغط نفقاته الصارم، وهذا كله في بلد يعيش نحو 95% من سكانه تحت خط الفقر!
إنها معادلة قاسية تدفع المواطن إلى بيع ما تبقى من مقتنياته تباعاً من أجل وجبة طعام لأفراد أسرته، في تناقض صارخ بين وعود التنمية وواقع التقهقر.
تغيير جذري
ما يحدث اليوم ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر على انهيار منظومة الحياة الكريمة في سورية. فبيع الذكريات والمقتنيات والضروريات منها ليس خياراً، بل إعلان فشل سياسي واقتصادي يستوجب تغييراً جذرياً لا ترقيعاً، فالمطلوب ليس إصلاح أسواق الأثاث المستعمل، بل إصلاح سياسات دولة بأكملها لتعيد للمواطن حقه في العيش بكرامة، دون أن يضطر إلى بيع آخر ما يملك ليشتري رغيف خبز.
وبالمحصلة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا، كم من المقتنيات ستُباع قبل أن تدرك الحكومة أن ما يستغني عنه السوري هو ذاكرة وطن ينهار؟!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
رشا عيد