الزيادة تتحول إلى سبب للتمييز... أين العدالة في قطاع التربية؟
لم يكن اعتراض العاملين في قطاع التربية على الزيادة النوعية اعتراضاً على مبدأ تحسين الأجور، بل على الطريقة التي وُزعت بها هذه الزيادة. فحين يشعر موظفون يعملون تحت سقف الوزارة نفسها بأنهم أصبحوا مواطنين من درجات وظيفية متفاوتة، فإن المشكلة لم تعد مالية فقط، بل أصبحت مشكلة عدالة وثقة بالمؤسسة.
لقد استبشر الجميع خيراً عندما أُعلن عن زيادة نوعية للعاملين في التربية، باعتبارها خطوة لتقدير الجهود التي يبذلها العاملون في واحدة من أهم مؤسسات الدولة. لكن الفرحة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما تحولت إلى حالة من الإحباط والغضب بعد صدور الجداول التنفيذية التي ميزت بين العاملين وفق مسميات وظيفية، رغم أن العملية التربوية لا تقوم على المعلم وحده.
فالمدرسة ليست معلماً فقط، بل هي منظومة متكاملة تضم الإداري والمرشد النفسي والاجتماعي وأمين المكتبة ومشرف التعليم الإلزامي والكاتب والمستخدم وعامل الخدمات. وكل حلقة من هذه الحلقات تؤدي دوراً لا يمكن الاستغناء عنه. وعندما تُمنح فئة امتيازاً كبيراً بينما تُترك فئات أخرى خارج دائرة الإنصاف، فإن الرسالة التي تصل إلى هؤلاء هي أن جهودهم أقل قيمة، وأن سنوات خدمتهم لا تستحق التقدير نفسه.
إن العدالة لا تعني مساواة الجميع بالمبلغ ذاته، وإنما تعني وجود معايير واضحة ومنطقية يشعر معها كل موظف بأنه نال حقه وفق طبيعة عمله ومسؤولياته. أما أن تنشأ فجوات كبيرة بين زملاء يعملون في المؤسسة نفسها ويواجهون الظروف الاقتصادية ذاتها، فهذا يخلق شعوراً بالغبن ويضرب روح الفريق التي يفترض أن تقوم عليها البيئة التربوية.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن ترتفع أصوات الإداريين والمرشدين النفسيين والاجتماعيين وأمناء المكتبات ومشرفي التعليم الإلزامي والمستخدمين وغيرهم، مطالبين بإعادة النظر في الجداول التنفيذية. كما لم يكن مستغرباً أن يلجأ بعضهم إلى الوقفات الاحتجاجية السلمية، لأنهم رأوا أن مطالبهم لم تجد طريقها إلى المعالجة.
المفارقة أن جميع هؤلاء كانوا شركاء في تحمل أعباء العمل خلال السنوات الصعبة، ولم يُسأل أحد منهم آنذاك عن مسماه الوظيفي قبل أن يُطلب منه أداء واجبه. أما عندما جاء وقت تحسين الدخل، فقد أصبحت المسميات هي الفيصل، وكأن بعض العاملين أكثر استحقاقاً للعيش الكريم من غيرهم.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سياسة للأجور هو أن تزرع الانقسام داخل المؤسسة الواحدة. فالمدرسة التي تحتاج إلى التعاون والتكامل لا تحتمل أن يشعر جزء من كوادرها بأنه مهمش أو مستبعد. والنتيجة ليست مجرد تذمر عابر، بل تراجع في الانتماء الوظيفي، وإحساس متزايد بعدم التقدير، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة العملية التعليمية نفسها.
إن معالجة هذا الملف لا تحتاج إلى تبريرات بقدر ما تحتاج إلى مراجعة شجاعة. فالاعتراف بوجود خلل ليس ضعفاً، بل هو الخطوة الأولى نحو إصلاحه. والإنصاف لا ينتقص من حق الفئات التي استفادت من الزيادة، وإنما يضمن أن تمتد العدالة إلى جميع من يسهمون في نجاح المؤسسة التربوية.
اليوم، يطالب المتضررون بما يرونه حقاً مشروعاً: إعادة النظر في معايير الزيادة، وتصحيح الاختلالات التي أفرزتها الجداول التنفيذية، وإقرار آلية أكثر عدالة تراعي طبيعة العمل والمسؤولية والخبرة، بحيث لا يبقى أحد خارج دائرة التقدير.
فالعدالة ليست منحة تمنحها الإدارة لمن تشاء، بل هي أساس الاستقرار الوظيفي، وركيزة الثقة بين العامل ومؤسسته. وإذا كانت الغاية من الزيادة النوعية هي دعم الأسرة التربوية، فإن هذه الغاية لن تتحقق كاملة ما دام جزء من هذه الأسرة يشعر بأنه مستثنى من الإنصاف.
إن أصوات المحتجين لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها اعتراضاً على تحسين أوضاع زملائهم، بل بوصفها دعوة صريحة إلى تصحيح مسار لا يزال قابلاً للمراجعة. فالعدالة حين تتجزأ، تفقد معناها، والإنصاف حين يستثني بعض المستحقين، يتحول إلى مصدر جديد للظلم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286