سلامة الغذاء... عندما يصبح الجوع خارج جدول الأعمال
في دمشق، التأم مؤتمر عن سلامة الغذاء، ثم تلته ورشة عمل عن حوكمة سلامة الغذاء. حضرت الوزارات، والمنظمات الدولية، والخبراء، وتزاحمت المصطلحات: سلاسل التوريد، إدارة المخاطر، التشريعات، المختبرات، الجودة، الرقابة، القدرة التنافسية، والصادرات. لا اعتراض على شيء من ذلك. بل على العكس، فسلامة الغذاء عنوان حضاري، ودليل على أن الدول تفكر في صحة مواطنيها. لكن يبدو أن أحداً نسي أن يسأل سؤالاً محرجاً قبل أن يبدأ النقاش:
هل بقي المواطن قادراً على شراء هذا الغذاء الذي نختلف على سلامته؟
في بلد أصبح فيه الوصول إلى الطعام معركة يومية، يبدو الحديث عن سلامة الغذاء أشبه بمحاضرة عن قواعد السباحة لمن يقف في قلب الصحراء.
لقد تجاوز الناس مرحلة المفاضلة بين غذاء جيد وغذاء رديء، ووصلوا إلى مرحلة المفاضلة بين شراء الطعام أو دفع فاتورة الكهرباء، بين كيلو بندورة أو علبة دواء، بين وجبة كاملة اليوم أو الاحتفاظ بما تبقى من المال للغد.
أما الخبراء، فيناقشون، بحق، كيفية منع تلوث الغذاء.
والناس يناقشون كيفية منع انقطاعه عن موائدهم.
يا لها من مفارقة موجعة... في القاعات المكيفة، تُعرض شرائح إلكترونية تشرح رحلة الغذاء من المزرعة إلى المستهلك، بينما رحلة المواطن إلى السوق أصبحت رحلة لإثبات عجزه الشرائي. يدخل حاملاً قائمة، ويخرج حاملاً نصفها، ثم يعود إلى منزله ليقنع أسرته بأن الاستغناء عن هذا الصنف أو ذاك هو «من أجل الصحة»، لا لأن راتبه هُزم مرة أخرى أمام الأسعار.
في الندوات يتحدثون عن الأمن الغذائي بوصفه منظومة متكاملة.
وفي البيوت، الأمن الغذائي يعني أن تكفي ربطة الخبز حتى نهاية اليوم.
يتحدثون عن تطوير المختبرات. والمواطن يطور مهاراته في تقسيم البيضة الواحدة على أكثر من وجبة.
يتحدثون عن الجودة. والمواطن يبحث عن الأرخص، ثم الأرخص من الأرخص، ثم يكتشف أن الأرخص نفسه أصبح خارج إمكاناته.
ليس لأن الناس لا تقدر قيمة سلامة الغذاء، بل لأن الأولويات فرضتها الجيوب الفارغة، لا الكتب الأكاديمية.
والمثير للسخرية في الأمر أن البلد يبدو وكأنه يعيش في واقعين متوازيين لا يلتقيان أبداً.
واقع رسمي يناقش تحسين جودة الغذاء، وواقع معيشي يناقش إمكانية وجود الغذاء أصلاً.
واقع يتحدث عن تعزيز الصادرات، وآخر يبحث عن تعزيز وجبة الإفطار.
واقع يضع استراتيجيات طويلة الأمد، وآخر يحاول النجاة حتى آخر الأسبوع.
ولا أحد يجرؤ على الاعتراف بأن الحديث عن سلامة الغذاء، مهما بلغت أهميته، يفقد جزءاً كبيراً من معناه عندما تصبح القدرة على شراء الغذاء هي المشكلة الأكبر.
كان يكفي أن يُترك مقعد واحد فارغ في تلك المؤتمرات، ويُكتب عليه: «مواطن سوري».
ليس ليقدم ورقة عمل، ولا ليتحدث عن المواصفات القياسية، بل ليطرح سؤالاً واحداً فقط:
كم خبيراً يحتاج الإنسان ليقنعه بأن الغذاء آمن، إذا كان عاجزاً عن شرائه؟
هذا السؤال، على بساطته، ربما كان سيختصر عشرات الأوراق البحثية.
فالجائع لا يطلب شهادة مطابقة للمواصفات.
والأب الذي عاد من السوق بكيس يكاد يكون فارغاً، لا تعنيه كثيراً سلاسل التوريد بقدر ما تعنيه سلسلة الفواتير التي تطارده.
والأم التي أصبحت تقيس الطعام بحسابات آخر الشهر، لن يخفف عنها سماع مصطلحات الحوكمة وإدارة المخاطر، وهي ترى الخطر الحقيقي يكبر كل يوم داخل مطبخها.
سلامة الغذاء ضرورة، نعم. لكن سلامة الإنسان أولى.
والوصول إلى الغذاء حق يسبق الحديث عن جودة الغذاء، لأن السؤال الذي يردده معظم السوريين اليوم ليس: «هل هذا الغذاء آمن؟» بل: «هل نستطيع شراءه أصلاً؟»
وما لم يبدأ النقاش من هنا، ستبقى المؤتمرات ناجحة في بياناتها الختامية، بينما تستمر الحياة خارج القاعات في كتابة بيانها اليومي بلغة لا تحتاج إلى خبراء لفهمها... اسمها الجوع المقنع.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286