التحول الإلكتروني يتوقف عند باب المستودع... وأموال الفلاحين بالانتظار!

التحول الإلكتروني يتوقف عند باب المستودع... وأموال الفلاحين بالانتظار!

إذا كان الهدف من إطلاق المنصة الإلكترونية لاستلام محصول القمح هو تطوير الأداء وتسريع الإجراءات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا توقف هذا «التحول الإلكتروني» عند بوابة استلام المحصول، ولم يمتد إلى المرحلة التي تعني الفلاح أكثر من أي شيء آخر، وهي صرف مستحقاته المالية؟

أكثر من شهر مضى على بدء المؤسسة السورية للحبوب استلام الأقماح من المنتجين، وخلال هذه الفترة التزم الفلاحون بمواعيد المنصة الإلكترونية وإجراءاتها، وتحملوا ما رافقها من تعقيدات وصعوبات تقنية وإدارية، على أمل أن يكون ذلك جزءاً من منظومة حديثة تختصر الوقت وتخفف المعاناة. لكن ما حدث عملياً أن التحول الإلكتروني اقتصر على جانب واحد فقط، بينما بقيت المستحقات المالية معلقة، وكأن الرقمنة مطلوبة عندما يتعلق الأمر بتنظيم عمل المؤسسة، لكنها تغيب عندما يتعلق الأمر بحقوق المنتجين.

 

المفارقة أن المنصة الإلكترونية قُدمت على أنها خطوة نحو التحديث، لكن التحديث الحقيقي لا يقاس بطريقة إدخال البيانات أو تنظيم أدوار التسليم، بل بسرعة إنجاز المعاملة كاملة، من لحظة تسليم المحصول وحتى وصول ثمنه إلى صاحبه. فما قيمة أي تحول رقمي إذا كان الفلاح، بعد أن يسلم محصوله، يدخل في دوامة الانتظار نفسها التي كان يعيشها قبل وجود المنصة؟

إن اختزال التحول الإلكتروني بمرحلة الاستلام وحدها ليس تطويراً حقيقياً، بل هو تقزيم لفكرة التحول الرقمي نفسها. فالرقمنة ليست واجهة تقنية ولا منصة لتسجيل الأدوار، وإنما منظومة متكاملة تختصر الزمن، وتوفر الشفافية، وتربط بين جميع حلقات العمل. أما عندما تُطبق على الحلقة التي تخدم المؤسسة فقط، بينما تبقى الحلقة التي تخدم الفلاح خارج هذا التطوير، فإن الأمر يبدو أقرب إلى تحول انتقائي منه إلى إصلاح إداري شامل.

 

والأخطر من ذلك أن تأخير صرف المستحقات لا يمثل مجرد تأخير إداري، بل ينعكس مباشرة على الواقع المعيشي والإنتاجي للفلاح. فهذه الأموال ليست أرباحاً مؤجلة يمكن انتظارها، وإنما هي رأس المال الذي يعتمد عليه لسداد ديونه المتراكمة من الموسم الماضي، ولدفع أثمان البذار والأسمدة والمحروقات وأجور العمال والآليات، والاستعداد للموسم القادم. وكل يوم تأخير يعني ديوناً إضافية، وغرامات، وارتفاعاً جديداً في أسعار مستلزمات الإنتاج، وربما عجز عن الاستمرار في الزراعة.

 

ومن غير المنطقي أن تطالب الجهات المعنية الفلاح بالالتزام الكامل بمواعيد التسليم وإجراءات المنصة الإلكترونية، بينما لا تقدم له بالمقابل أي التزام واضح بموعد صرف مستحقاته. فالعلاقة بين الطرفين يجب أن تقوم على التزام متبادل، لا أن يتحمل المنتج وحده عبء الانضباط، فيما يبقى حقه المالي رهناً بإجراءات لا يعرف متى تنتهي.

 

لقد أثبت الفلاح السوري، مرة أخرى، أنه الطرف الأكثر التزاماً في معادلة إنتاج القمح. زرع رغم ارتفاع التكاليف، وحصد رغم الصعوبات، وسلم محصوله وفق الآليات الجديدة، وانتظر بصبر. لكن هذا الصبر ليس بلا حدود، ولا ينبغي أن يتحول إلى سياسة دائمة في التعامل مع مستحقات المنتجين.

 

إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الحديث عن التحول الإلكتروني، بل استكماله فعلاً. فالمنصة التي تنظم الاستلام يجب أن تقابلها منظومة إلكترونية لإدارة الصرف، تحدد مراحل إنجاز المعاملة، وتتيح للفلاح معرفة وضع مستحقاته وموعد تحويلها، وتلزم الجهات المعنية بسقف زمني واضح للدفع.

فالتحول الرقمي الذي لا ينتهي بتحويل الأموال إلى أصحابها، يبقى مشروعاً ناقصاً، بل ويفقد مبرره الأساسي. أما حقوق الفلاحين، فلا يجوز أن تبقى معلقة في انتظار التمويل أو الإجراءات، لأن من يزرع قوت البلاد يستحق أن يحصل على حقه في الوقت الذي يحتاجه، لا بعد أن يفقد هذا الحق جزءاً كبيراً من قيمته الاقتصادية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1286