وحدة السياسات المالية الكلّية... الدعاية تسبق شروط النجاح
قد يبدو إعلان وزير المالية عن إنشاء «وحدة السياسات المالية الكلية» خبراً إيجابياً للوهلة الأولى، فهذه الوحدات تشكل جزءاً أساسياً من البنية المؤسسية لوزارات المالية الحديثة، وتضطلع بمهمة تحليل الاقتصاد الكلي، وإعداد التوقعات، وبناء الأطر المالية متوسطة المدى التي تستند إليها الموازنات العامة.
لكن المشكلة ليست في العنوان، وإنما في السؤال الذي سبق أن تجاهلته الحكومات مراراً: هل يمكن بناء مؤسسة فعالة في بيئة تفتقد إلى الحد الأدنى من مقومات عملها؟
الحقيقة أن الإعلان جاء بصيغة دعائية توحي بأن مجرد إنشاء وحدة جديدة يمثل إنجازاً بحد ذاته، بينما الواقع الاقتصادي السوري يطرح أسئلة أكثر إلحاحاً من إنشاء هيكل إداري جديد.
فكيف يمكن لوحدة متخصصة بالتنبؤ الاقتصادي أن تنتج تقديرات ذات قيمة في ظل اقتصاد يعاني من تذبذب حاد في سعر الصرف، وضعف قدرة المصرف المركزي على ضبط سوق القطع، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وغياب قاعدة بيانات اقتصادية محدثة وشفافة؟
إن السياسات المالية الكلية لا تُبنى بالشعارات، بل بالبيانات. ولا توجد في العالم وحدة قادرة على إنتاج توقعات دقيقة إذا كانت المدخلات نفسها غير دقيقة أو غير متوافرة. لذلك فإن إنشاء هذه الوحدة، مهما كانت كفاءة العاملين فيها، لن يحل مشكلة غياب الإحصاءات، ولن يعوض نقص الشفافية، ولن يخلق استقراراً نقدياً غير موجود أصلاً.
من هنا، فإن إنشاء الوحدة يمثل شرطاً ضرورياً لكنه ليس شرطاً كافياً. أما تقديمه بوصفه خطوة إصلاحية كبرى من دون الحديث عن البيئة التي ستعمل فيها، فيحمل قدراً من المبالغة. فالإصلاح المؤسسي لا يبدأ بإضافة مربع جديد إلى الهيكل التنظيمي، بل يبدأ بإصلاح المؤسسات التي ستزود هذا المربع بالمعلومات والقدرة على التأثير.
والخشية الحقيقية أن تتحول الوحدة إلى حلقة جديدة في البيروقراطية الحكومية، تنتج تقارير وتوقعات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، بينما تبقى السياسات المالية خاضعة للضغوط اليومية وتقلبات سعر الصرف أكثر مما هي خاضعة للتحليل الاقتصادي. عندها لن تكون الوحدة رافعة للإصلاح، بل عبء إداري جديد يستهلك الموارد من دون أثر ملموس.
ولا يقل إثارة للتساؤل الإعلان بأن إنشاء الوحدة يتم بالتعاون الفني مع صندوق النقد الدولي.
صحيح أن الصندوق يمتلك خبرات فنية في بناء مثل هذه الوحدات، لكن التجربة التاريخية معه تجعل الترحيب غير المشروط أمراً يصعب تبريره. فقد ارتبطت برامج الصندوق في كثير من الدول بحزم إصلاح تقليدية ركزت على خفض الإنفاق العام، وتقليص الدعم، وزيادة الضرائب غير المباشرة، وتحرير الأسعار، وبيع الأصول العامة، وهي سياسات ربما حققت في بعض الحالات تحسينات في بعض المؤشرات المالية، لكنها خلفت في حالات أخرى أثماناً اجتماعية ومعيشية باهظة، تمثلت في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة واتساع الفجوة الاجتماعية، خصوصاً عندما طُبقت في اقتصادات هشة ومؤسسات ضعيفة.
لهذا، فإن التخوف من التعاون مع الصندوق ليس موقفاً أيديولوجياً بقدر ما هو قراءة لتجارب دول عديدة وجدت نفسها أمام برامج ركزت على التوازنات المالية أكثر من تركيزها على تعافي الاقتصاد الحقيقي وتحسين مستوى معيشة المواطنين. والخشية تكمن في أن تتحول الأدوات الفنية، ومنها وحدات السياسات المالية الكلية، إلى مدخل لاعتماد وصفات جاهزة لا تراعي خصوصية الاقتصاد السوري، الذي يحتاج قبل أي شيء إلى إعادة بناء الإنتاج، واستعادة الثقة، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر النمو، لا عبر زيادة الأعباء على اقتصاد يعاني أصلاً من الانكماش.
إن الاقتصاد السوري اليوم لا يعاني من نقص في الهياكل الإدارية، بل من نقص في مقومات الإدارة الرشيدة نفسها. فهو يحتاج إلى بيانات موثوقة قبل أن يحتاج إلى نماذج للتنبؤ، ويحتاج إلى شفافية قبل أن يحتاج إلى وحدات تحليل، ويحتاج إلى اقتصاد منتج قبل أن يحتاج إلى توقعات حول اقتصاد لم يستعد بعد عافيته.
لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح هذه الوحدة لن يكون قرار إنشائها ولا عدد موظفيها، بل قدرتها بعد سنوات على تحسين جودة القرار المالي فعلاً. أما إذا كانت ستعمل في بيئة تفتقر إلى البيانات والاستقرار والتنسيق المؤسسي، فإنها قد تصبح مجرد عنوان جديد يضاف إلى الهيكل الإداري، بينما تبقى المشكلات الأساسية للاقتصاد السوري على حالها.
فالإصلاح الاقتصادي لا يبدأ بإعلان، ولا يتحقق بإنشاء وحدة جديدة، بل ببناء البيئة التي تجعل هذه الوحدة قادرة على أداء وظيفتها. وما لم تُستكمل هذه البيئة، فإن الخشية من أن تتحول الخطوة إلى ممارسة بيروقراطية ذات طابع دعائي أكثر من كونها إصلاحاً مؤسسياً حقيقياً، تبقى خشية مشروعة تستحق النقاش.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286