فوضى أسعار الأدوية بين غياب الرقابة واستنزاف المرضى
لم يعد الحصول على الدواء في سورية يقتصر على معاناة توفيره، بل أصبح يرتبط أيضاً بفوضى كبيرة في أسعاره، ولا سيما الأدوية المستوردة التي تختلف أسعارها بصورة لافتة بين صيدلية وأخرى، حتى بات المريض يفاجأ بأن الدواء نفسه يُباع بسعر مضاعف أو يتجاوز عدة مرات سعره في صيدلية أخرى، هذه الفوضى تكشف غياب آليات واضحة وفعالة لضبط سوق الدواء، وتضع المواطن أمام حالة من الاستغلال في وقت يعاني فيه أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
في الظروف الطبيعية، يفترض أن يخضع الدواء لنظام تسعير واضح ومعلن يضمن توحيد الأسعار ومنع الاحتكار والمضاربة، لكن الواقع يشير إلى أن كثيراً من الأدوية المستوردة تُباع وفق أسعار يحددها المستورد أو الصيدلية نفسها، دون وجود رقابة حكومية فعالة تضمن التزام الجميع بسعر موحد، والنتيجة أن المريض يصبح مضطراً للتنقل بين عدة صيدليات بحثاً عن السعر الأقل، وهو أمر مرهق وغير منطقي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأدوية الأمراض المزمنة أو الحالات الإسعافية التي لا تحتمل التأخير.
ولا تقتصر المشكلة على الأسعار فقط، بل تمتد إلى قضية أكثر خطورة تتمثل في الرقابة على جودة الأدوية المستوردة، فمع تعدد قنوات الاستيراد ودخول أصناف مختلفة إلى الأسواق، يبرز التساؤل المشروع حول مدى مطابقة هذه الأدوية للمواصفات الطبية المعتمدة، وما إذا كانت جميعها قد خضعت للفحوص اللازمة قبل طرحها للبيع. فالمريض لا يستطيع التحقق من جودة الدواء، ويعتمد بالكامل على ثقة يفترض أن توفرها الجهات الرقابية المختصة.
إن غياب الرقابة الفعالة يفتح الباب أمام ممارسات تضر بالمستهلك، مثل المبالغة في الأرباح، أو تداول أدوية مجهولة المصدر، أو إدخال مستحضرات لم تستوف الشروط الفنية المطلوبة. وفي مثل هذه الحالات لا تكون الخسارة مالية فقط، وإنما قد تتحول إلى خطر صحي حقيقي إذا كان الدواء غير مطابق للمواصفات أو منخفض الفعالية أو محفوظاً بطرق غير سليمة.
كما أن استمرار هذه الفوضى يضر بالصيدليات الملتزمة أيضاً، إذ تجد نفسها في منافسة غير عادلة مع صيدليات تبيع بأسعار مرتفعة دون ضوابط، أو تحقق أرباحاً استثنائية نتيجة غياب التسعير الرسمي والرقابة المنتظمة. وبالتالي فإن تنظيم السوق لا يحمي المرضى وحدهم، بل يحقق العدالة بين جميع العاملين في القطاع الدوائي.
إن معالجة هذه المشكلة تتطلب إعادة تفعيل الرقابة على سوق الدواء من خلال إصدار نشرات أسعار ملزمة للأدوية المستوردة، وإلزام جميع الصيدليات بعرض الأسعار بشكل واضح، مع تكثيف الجولات الرقابية وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، كما ينبغي تعزيز الرقابة المخبرية على جميع الأدوية المستوردة للتأكد من مطابقتها للمواصفات والمعايير الصحية، ونشر نتائج هذه الفحوص بما يعزز ثقة المواطنين.
فالدواء ليس سلعة كمالية تخضع للمضاربة والربح غير المحدود، بل هو حق أساسي يرتبط بحياة الإنسان وصحته، ومن هنا فإن ضبط أسعاره وضمان جودته يمثلان مسؤولية عامة تقع على عاتق الدولة والجهات الرقابية، لأن استمرار الفوضى الحالية يعني تحميل المرضى أعباء مالية وصحية لا يستطيع كثير منهم تحملها، ويقوض الثقة بمنظومة الرعاية الصحية بأكملها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286