المدارس في سورية... فوضى التعليم الحكومي وجشع الخاص
مع بداية كل عام دراسي، تقف الأسر أمام معادلة مستحيلة؛ إما خوض معركة بيروقراطية مرهقة لنقل أو تسجيل أبنائهم في المدارس الحكومية، أو دفع أقساط خيالية في المدارس الخاصة تتجاوز إجمالي الدخل السنوي لمعظم المواطنين.
وأولى العقبات التي يواجهها الأهالي هي شرط إثبات السكن، أو «سند إقامة»؛ فهذا الشرط الذي يبدو إدارياً، يتحول إلى حاجز، يربط حق الطفل بالتعليم بمكان سكن لا يملك كثيرون القدرة على تغييره.
خاصة وأن غالبية المدارس تعاني اكتظاظاً شديداً، مما يجعل رفض طلبات النقل مبرراً بحجة «اكتمال الطاقة الاستيعابية».
وبين أروقة المؤسسات الحكومية، تتعثر المعاملات لأسابيع، في وقت تضيق فيه المهل الزمنية التي تمنحها الوزارة لنقل الطلاب إلى بضعة أسابيع قبل بدء العام الدراسي.
ومن الأعباء الإدارية يواجه الأهالي أعباء لوجستية ومادية أخرى؛ فمع ارتفاع أسعار المحروقات أصبحت أجور النقل تشكل عبئاً إضافياً، وإذا كانت المسافة بين السكن والمدرسة كبيرة، تتحول هذه التكاليف إلى عبء يومي يثقل كاهل الأسر محدودة الدخل.
إضافة إلى ذلك، يفرض تباين متطلبات المدارس من لباس ودفاتر وقرطاسية وكتب أعباء مالية إضافية، تجبر الأسر على شراء مستلزمات جديدة كل عام.
المدارس الخاصة... أقساط تتحدى القرارات
في الجانب الآخر من المشهد، تبدو المدارس الخاصة وكأنها تعمل في عالم موازٍ، إذ تتجاهل قرارات وزارة التربية التي حددت سقوفاً للأقساط العام الماضي: 2,45 مليون للمرحلة الثانوية، و2,1 مليون للتعليم الأساسي.
لكن على الأرض، تتراوح قيمة القسط الأول بين 6 و10 ملايين ليرة، مع زيادات تراوحت بين مليونين و5 ملايين ليرة، حسب المدرسة والعام الدراسي.
فعلى سبيل المثال، لا يقل قسط مدرسة البشائر الخاصة عن 35 مليون ليرة، والسورية الحديثة تبدأ أقساطها هذا العام من 18 مليون ليرة، والتأسيس في عقربا بين 1000 و2000 دولار.
والأكثر غرابة، أن بعض المدارس تبرر عدم تحديد القسط كاملاً بذريعة «الدولار»، وكأن التسعير بالعملة الأجنبية بات أمراً مفروغاً منه.
كما أن المواصلات لا تشملها الأقساط في كل المدارس، إذ يصل اشتراكها إلى 6 ملايين ليرة بحسب المنطقة، وتتفاوت المدارس في شمولية الكتب والدفاتر، ما يضيف مفاجآت مالية غير محسوبة.
ويضرب هذا الواقع عرض الحائط قراراً وزارياً ينص على وضع لائحة تفصيلية بقيمة الأقساط في لوحة إعلانات المدرسة وفرض عقوبات على المخالفين. إلا أن هذه العقوبات تبقى حبراً على ورق في ظل غياب الرقابة الفعلية وكثرة المخالفات.
من العام إلى الخاص
ربما تكون أخطر تداعيات انهيار جودة التعليم الحكومي، هو ظاهرة النزوح من التعليم العام إلى الخاص. فقد خسرت سورية خلال سنوات الحرب أكثر من 80 ألف معلم، ولا يزال نحو 40% من المدارس متضرراً، مع استمرار تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم. ورغم عودة 17 ألف معلم مفصول في عام 2025، تبقى الفجوة هائلة.
يُضاف إلى ذلك، عجز أغلبية المدارس الحكومية عن توفير أبسط متطلبات العملية التعليمية، وافتقارها إلى التجهيزات، من أثاث وإنارة وتدفئة وتهوية.
وتدفع هذه العوامل مجتمعة الأسر لتسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة، على الرغم من الأعباء المالية.
جيل يدفع الثمن
ما يعانيه الأهالي اليوم ليس مجرد صعوبات إدارية أو أعباء مالية، بل أزمة بنيوية تهدد مستقبل جيل بأكمله؛ فبين بيروقراطية المؤسسات الحكومية، واكتظاظ المدارس، ونقص الكوادر، وجشع الخاص، تضيع أحلام ملايين الأطفال في تعليم لائق.
والحل لا يكمن في وعود رقابية أو قرارات غير نافذة، بل في إعادة بناء التعليم الحكومي كركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية، بضخ استثمارات حقيقية، وتأهيل المدارس وتجهيزها، ورفع أجور المعلمين، وتفعيل الرقابة بصرامة.
وإلا سيبقى التعليم حكراً على قلّة قادرة، بينما تترسخ دوائر الفقر والجهل في أوساط الطبقات المهمشة، مما يهدد بأثر طويل المدى على المجتمع.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
سارة جمال