هل اقترب السعر الرسمي من الحقيقة أم ابتعدت الحقيقة عن الجميع؟
لم يكن النصف الأول من العام مجرد فترة شهدت تعديلات متكررة في سعر الصرف الرسمي، بل كشف عن مفارقة اقتصادية لافتة؛ فبينما رفع مصرف سورية المركزي السعر الرسمي للدولار من نحو 11,100 ليرة إلى 12,200 ليرة، أي بتراجع يقارب 10% في القيمة الرسمية لليرة، بقيت الأسواق تتعامل بمنطق مختلف تماماً، وكأن النشرات الرسمية لم تعد المرجع الحقيقي لتسعير الاقتصاد.
فالسياسة النقدية اتجهت بوضوح إلى رفع السعر الرسمي من عتبة إلى أخرى أعلى، في محاولة لتقليص الفجوة مع السوق الموازية. وبالفعل، انخفضت الفجوة بين السعرين من نحو 1,400 ليرة مطلع العام إلى قرابة 750 ليرة في نهاية حزيران، أي بما يقارب 46%.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تقلصت الفجوة لأن الليرة أصبحت أقوى، أم لأن السعر الرسمي اقترب من واقع فرضته الأسواق
الأرقام ترجح الاحتمال الثاني.
فالسوق الموازية لم تتحرك في اتجاه واحد خلال الفترة الماضية، بل شهدت تقلبات حادة. فقد ارتفع الدولار في دمشق إلى نحو 14,600 ليرة مطلع حزيران قبل أن يتراجع إلى حدود 12,950 ليرة في نهاية الشهر. وفي الوقت ذاته، واصل مصرف سورية المركزي رفع السعر الرسمي على مراحل، ما يعني أن تقليص الفجوة كان نتيجة عاملين معاً؛ تراجع سعر السوق من ذروته، ورفع السعر الرسمي بصورة متلاحقة.
لكن المفارقة أن هذه المؤشرات لم تنعكس على سلوك الأسواق.
فبحسب ما يؤكده عدد من التجار، فإن شريحة واسعة من السلع لا تُسعر وفق السعر الرسمي، ولا حتى وفق السعر المتداول في السوق الموازية، وإنما وفق سعر صرف تحوطي يتراوح بين 14 و15 ألف ليرة للدولار، بحسب طبيعة السلعة ومصدرها وسرعة دورانها.
وهذا يعني أن الاقتصاد السوري لم يعد يعمل بسعرين للصرف فقط، بل بثلاثة أسعار في آن واحد؛ سعر رسمي، وسعر في السوق الموازية، وسعر ثالث هو الذي تعتمد عليه الأسواق فعلياً عند التسعير.
وعندما يصبح السعر الذي يبني عليه التاجر قراره أعلى من السعر الرسمي ومن السعر الموازي معاً، فإن ذلك يعكس أزمة ثقة أكثر مما يعكس مجرد اختلاف في أسعار الصرف.
الاقتصاد الحقيقي لا يدعم العملة
المشكلة لا تكمن في سعر الصرف وحده، وإنما في البيئة الاقتصادية التي تحيط به.
فالميزان التجاري لا يزال يميل إلى العجز مع شركاء تجاريين رئيسيين مثل تركيا والأردن والعراق، بينما يعاني الإنتاج الصناعي والزراعي من ارتفاع التكاليف وضعف الربحية، إلى درجة أن كثيراً من المنشآت بالكاد تغطي نفقاتها التشغيلية.
وفي اقتصاد يستورد أكثر مما يصدر، وينتج أقل مما يستهلك، يصبح الضغط على الليرة نتيجة طبيعية، لا مجرد ظاهرة نقدية يمكن معالجتها بإعادة تسعير الدولار الرسمي.
ولهذا فإن رفع السعر الرسمي، مهما تكرر، لن يغير وحده معادلة العرض والطلب على العملات الأجنبية، ولن يخلق موارد جديدة من القطع الأجنبي ما لم يترافق مع توسع حقيقي في الإنتاج والصادرات.
المواطن هو الخاسر الأكبر
وربما يكون الجانب الأكثر قسوة في هذه المعادلة هو أثرها المباشر على المستوى المعيشي.
ففي ظل تقديرات تشير إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة كبيرة منهم تعاني من انعدام الأمن الغذائي، فإن أي تراجع جديد في قيمة الليرة أو أي ارتفاع في تكاليف التسعير لا يبقى مجرد رقم في نشرة مصرفية، بل يتحول إلى عبء إضافي على ملايين الأسر.
فكل ارتفاع في سعر الدولار يرفع تكلفة المواد الأولية والسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، ثم ينتقل تدريجياً إلى أسعار الغذاء والدواء والنقل والطاقة والخدمات.
وما يزيد الضغوط أن الأسعار لا تُبنى دائماً على سعر الدولار الفعلي، بل على توقعات استمرار ارتفاعه، وهو ما يفسر اعتماد كثير من التجار أسعاراً تحوطية أعلى من الأسعار المتداولة.
وبذلك يصبح المواطن محاصراً بين دخل لا يواكب التضخم، وأسعار تتقدم على سعر الصرف نفسه.
والنتيجة هي تراجع مستمر في القوة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، وتزايد صعوبة الحصول على الغذاء والاحتياجات الأساسية.
استقرار الليرة لا يصنعه المصرف المركزي وحده
تكشف تجربة الأشهر الماضية حدود السياسة النقدية عندما تعمل بمعزل عن بقية السياسات الاقتصادية.
فالمصرف المركزي يستطيع تعديل سعر الصرف الرسمي وتقليص الفجوة مع السوق، لكنه لا يستطيع وحده زيادة الإنتاج، أو تحسين الميزان التجاري، أو رفع الصادرات، أو خلق فرص عمل، أو زيادة دخول المواطنين.
إن قيمة أي عملة في نهاية المطاف ليست قراراً إدارياً، بل انعكاس لقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار وتوليد النقد الأجنبي.
ومن دون دعم جدي للقطاعين الصناعي والزراعي، ورفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة الصادرات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات السورية، سيبقى أي تحسن في سعر الصرف الرسمي محدود الأثر، لأنه لا يستند إلى قوة الاقتصاد الحقيقي.
الإصلاح الاقتصادي الشامل
ما جرى خلال النصف الأول من العام لا يمكن وصفه بأنه تعافٍ لليرة بقدر ما هو إعادة تموضع للسعر الرسمي ليصبح أقرب إلى واقع السوق.
أما السوق نفسها، فما زالت تسعر وفق منطق التحوط، لا وفق منطق الثقة.
وما دام الاقتصاد يعاني من عجز تجاري، وضعف في الإنتاج، وارتفاع في تكاليف التشغيل، وما دام ملايين السوريين يعيشون تحت خط الفقر ويكافحون لتأمين احتياجاتهم الأساسية، فإن أي حديث عن استقرار مستدام لسعر الصرف سيبقى ناقصاً إذا لم يقترن بإصلاحات اقتصادية وإنتاجية حقيقية.
فالعملة لا تستمد قوتها من نشرات أسعار الصرف، بل من قوة الاقتصاد الذي تقف خلفه، ومن قدرة المواطن على العمل والإنتاج والشراء. وهذه هي المعادلة التي لا تزال تنتظر حلولاً تتجاوز السياسة النقدية إلى إصلاح اقتصادي شامل.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285