الأصول العامة في سورية وحق الشعب... إلى أين؟!
في مشهدٍ يتكرّر بصمت، تتحوّل مرافق عامة كانت عموداً فقريّاً في تقديم الخدمات الأساسية إلى كياناتٍ خاصة غامضة، دون إعلانٍ رسميّ أو سند قانوني واضح.
فقصة مجبلي الإسفلت في الحسكة ليست حالةً معزولةً، بل هي نموذجٌ لظاهرةٍ آخذةٍ في الاتّساع، «خصخصة صامتة» تنهش الأصول العامة وتُفرِغ مؤسسات الدولة من مضمونها، تحتَ عناوين برّاقة عن «التشاركية، تشجيع وجذب الاستثمار».
تكشف تقارير إعلامية وشهادات ميدانية، أن مجبلي الإسفلت شرق دوار البانوراما في الحسكة شهدا سلسلة تغيّراتٍ متسارعةٍ في أسماء الجهات المشغّلة بين أواخر 2025 ومنتصف 2026. فبعد أن كانت الإدارة تتبع «للشركة العامة للطرق والجسور»، اختفى هذا الاسم فجأةً من منشورات البلدية دون أي توضيح، ليحلَ محله اسم «شركة دجلة للإسفلت»، والأغرب أنَّ عقد استثمار مدّته 49 عاماً أُبرمَ مع هذه الشركة الخاصة التي «ظهرت من العدم»، في حين ظلَّت البنية التشغيلية والكوادرُ نفسُها، كما الإدارة المشتركة المرفق العام سابقاً!
ولم يقتصر التغيير على الاسم، بل امتد إلى تغيير لوحات الآليات من خضراء (التي تشير إلى أملاك عامة) إلى حمراء وزرقاء، وسط غياب أي وثائق تثبت الجهة المالكة الجديدة، والأخطر أن العاملين أُبلِغوا بأن رواتبهم ستصبح عبر هذه الشركة، مع استبعادهم من قوائم الدمج الإداري بين الحكومة السورية و«قسد سابقاً»، بينما استمر صرف رواتبهم من موازنة البلدية!
تضاربٌ صارخ بين الواقع الإداري والمالي، يعكس غياب الشفافية ويؤكد تحويلاً للملكية العامة إلى خاصة، مع استمرارية إدارية كاملة، وكأن الأمر مجرّد تغيير «لافتة»!
هذه الحالة ليست استثناء، فالشركة العامة للنقل الداخلي في دمشق تحولت إلى المؤسسة العامة لنقل الركاب حتى حُلتَّ محلها «ضمناً» شركة «زاجل» للنقل، دونَ إعلانٍ رسمي شفاف عن الصفقة أو آلياتها أمام الاحتفاء الرسمي «بالشراكة مع القطاع الخاص» الذي جعلها تتربع على العرش!
وبالمثل، تُقدِم «السورية للتجارة» على تفريغ صالات بيعها من مضمونها العام، عبر طرحها للاستثمار تحتَ عنوان التشاركية نفسه، لتكون هذه الخطوة هي «التضحيةُ بآخر ما تبقى من شبكات الحماية الاجتماعية»، لتُجرّد المؤسسة من الغاية التي أُحدثت لأجلها «بالتدخل الإيجابي» وتقديم سلع بأسعارٍ شبه مدعومة لامتصاص صدمة الغلاء، لتُسلَّم اليوم إلى مستثمرٍ خارجي يتمتع بإعفاءات جمركية، ما يخلق ساحة غير متكافئة ويهدّد التجارة المحلية بالإفلاس.
هذه التحولات تطرح سؤالاً جوهريّاً: أين ذهبت الأصول والمال العام الذي هو حق الشعب؟!
فالمرفق العام ليس مجرد أصول مادية، بل هو التزام بتقديم خدمة عادلة أو منتج وبأسعار مدعومة، خاصة في ظل انهيار القدرة الشرائية للمواطن، وعندما تنتقل وظائف القرار من المؤسسات العامة إلى كياناتٍ خاصةٍ لا تخضع للمعاييرِ نفسها من رقابة ومساءلة، فإن المرفقَ يتحوّل من حق إلى سلعة تخضع لمنطق الربح وحده.
وهذا ما يجري اليوم، بقاء الملكية اسمياً للدولة، ونقل القدرة الفعلية على الإدارة والتسعير والتشغيل إلى فاعلين آخرين، في صيغةٍ هي أخطرُ من الخصخصة المباشرة.
إلى أين يا دولة؟
ما يحدث ليس إصلاحاً، بل تفريغ ممنهج للدولة من دورِها الاجتماعي، تحت شعارات تحسين الكفاءة وتشجيع الاستثمار. فغياب الشفافية بنشر العقود وإتاحة المعلومات يحوّلُ هذه العمليات إلى صفقات نهبٍ ممنهجٍ لحق الشعب، ليُقدَّمُ على طبقٍ من ذهبٍ لأصحاب النفوذ والقلة المتنفعة.
فهل يستقيم أن تُتخذ قراراتٌ مصيريةٌ بهذا الحجم في غياب أي نقاشٍ عامٍ أو رقابةٍ حقيقيةٍ؟!
إن المال العام أمانةٌ وحقٌّ للسوريين، لا يجوز التصرف به في ظلام العقود المستترة وتحت عناوين فضفاضة.
آنَ الأوان لوقف هذا النزيف الصامت، وفتح ملف الخصخصة على مصراعيه أمام الرأي العام، واستعادة ما تبقى من مؤسسات الدولة قبل أن تتحوّل جميعُها إلى مجرد علاماتٍ تجاريةٍ في جيوب المستثمرين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286
رهف ونوس