مهجرو رأس العين بين قسوة المخيمات وصعوبة العودة

مهجرو رأس العين بين قسوة المخيمات وصعوبة العودة

بعد ما يقارب سبع سنوات على تهجير سكان رأس العين (سري كانيه) وريفها، لم يعد السؤال المطروح بين المهجرين هو: هل نريد العودة؟ بل أصبح: كيف نعود؟ وإلى ماذا نعود؟

اليوم، يعيش آلاف المهجرين في مخيمي واشوكاني والطلائع، فيما يقيم آلاف آخرون في منازل مستأجرة موزعين بين الحسكة والقامشلي وبلدات أخرى. ورغم اختلاف أماكن الإقامة، فإن الهموم واحدة، والمصير واحد، والرغبة في العودة تكاد تكون إجماعاً بين الجميع، إلا أن الطريق إليها لا يزال مليئاً بالعقبات الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
يضم مخيم واشوكاني قرابة 16 ألف نسمة من نحو 2500 عائلة، معظمهم من ريف رأس العين، بينما يضم مخيم الطلائع نحو 17 ألف نسمة من نحو 3000 عائلة، غالبيتهم من مدينة رأس العين نفسها. وعلى الرغم من الاختلاف النسبي في التركيبة السكانية بين المخيمين، فإن المعاناة اليومية تكاد تكون متطابقة.

في واشوكاني، يصف السكان أوضاعهم المعيشية بأنها مقبولة نسبياً مقارنة بسنوات النزوح الأولى، بينما تبقى الخدمات الصحية عند مستوى جيد نسبياً، رغم تراجع الدعم الإنساني وتناقص خدمات المنظمات. أما في مخيم الطلائع، فالوضع المعيشي أفضل نسبياً، لكن القطاع الصحي يعاني بشكل واضح بسبب غياب مركز للرعاية الصحية الأولية، والاكتفاء بنقطة إسعافية لا تستطيع التعامل مع الأمراض المزمنة أو الحالات التخصصية، ما يضطر المرضى إلى مراجعة مستشفيات خارج المخيم وتحمل أعباء مالية إضافية. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار تراجع الخدمات الإنسانية والصحية في المخيمات مقارنة بالسنوات الأولى للنزوح.
لكن الصورة لا تكتمل بالنظر إلى المخيمات وحدها. فآلاف المهجرين من رأس العين يعيشون خارجها، في بيوت مستأجرة داخل الحسكة والقامشلي، حيث يدفعون إيجارات شهرية أصبحت تفوق قدرة معظم الأسر، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة. هؤلاء لا يعيشون تحت الخيام، لكنهم يواجهون شكلاً آخر من النزوح؛ نزوحاً اقتصادياً يستهلك مدخراتهم عاماً بعد عام، ويجعل الاستقرار مجرد حلم مؤجل.
في الأشهر الأخيرة عاد ملف العودة إلى الواجهة، بعد إعلان لجنة مهجري رأس العين تسجيل نحو 14 ألف عائلة ترغب بالعودة، ورفع قوائمها إلى الجهات المعنية، وسط حديث رسمي عن ترتيبات لإعادة المهجرين تدريجياً.
ورغم هذه التطورات، فإن المهجرين لا ينظرون إلى العودة باعتبارها مجرد انتقال من المخيم إلى المدينة، بل يعتبرونها مشروعاً متكاملاً يتطلب توفير شروط حقيقية تضمن استمرار الحياة بعد العودة.

فالمدينة التي غادروها عام 2019 ليست كما تركوها. كثير من المنازل تعرضت للنهب أو التخريب أو التدمير الجزئي والكلي، وبعضها لا يزال مشغولاً من قبل آخرين، بينما تحتاج البنية التحتية الأساسية إلى إعادة تأهيل واسعة. وتشير شهادات الأهالي إلى أن تكلفة إعادة تأهيل المنزل الواحد تتراوح غالباً بين ألف وعشرة آلاف دولار، تبعاً لحجم الأضرار التي لحقت به. وبالنسبة لعائلات فقدت مصادر دخلها منذ سنوات، فإن هذه المبالغ تمثل عائقاً يكاد يكون مستحيلاً.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المادي. فلا يزال الملف الأمني يمثل الهاجس الأكبر بالنسبة لغالبية المهجرين. فالكثير منهم يؤكدون أن العودة لا يمكن أن تتم في ظل استمرار المخاوف الأمنية، وعدم وضوح آليات حماية المدنيين، وعدم حسم قضايا الملكية والسكن، إضافة إلى الحاجة لإزالة الألغام وتأمين الطرق والخدمات الأساسية. كما تطالب لجان المهجرين بضمانات واضحة قبل أي عودة جماعية.
وفي المقابل، يلاحظ المهجرون وجود فجوة بين التصريحات الرسمية والواقع. فهناك حديث متكرر عن إنهاء ملف المخيمات وتشجيع العودة، لكن دون الإعلان حتى الآن عن برنامج واضح لتعويض المتضررين، أو صندوق لإعادة إعمار المنازل، أو آلية قانونية لاستعادة الممتلكات، أو ضمانات أمنية مكتوبة تكفل سلامة العائدين.

كما أن الإدارة الذاتية، التي تؤكد باستمرار أن العودة يجب أن تكون آمنة وطوعية وكريمة، لا تملك السيطرة الميدانية على رأس العين، الأمر الذي يجعل قدرتها على تقديم ضمانات فعلية محدودة، بينما لم تعلن الحكومة السورية حتى الآن عن آليات تنفيذية واضحة لمعالجة ملفات التعويضات والحقوق العقارية والأمنية. لذلك يشعر كثير من المهجرين بأن مسؤولية معالجة هذه الملفات لا تزال موزعة بين عدة أطراف، دون وجود جهة تتحمل المسؤولية الكاملة.
وتزداد مخاوف السكان مع تداول أنباء عن احتمال إغلاق المخيمات خلال المرحلة المقبلة، رغم عدم صدور قرار رسمي يحدد موعداً نهائياً لإخلاء مخيمي واشوكاني والطلائع حتى الآن. ويخشى كثيرون أن تتحول العودة إلى خيار تفرضه الظروف الاقتصادية أو إغلاق المخيمات، بدلاً من أن تكون عودة طوعية قائمة على توافر مقومات الاستقرار.
إن مأساة مهجري رأس العين لم تعد تقتصر على الخيمة أو المنزل المستأجر، بل أصبحت معركة يومية من أجل الحفاظ على الأمل. فبين واقع المخيمات القاسي، وأعباء الإيجارات خارجها، ومدينة تحتاج إلى الأمن والإعمار والتعويض، يجد عشرات الآلاف أنفسهم عالقين بين مكان لم يعد يصلح للحياة، وآخر لم يصبح بعد صالحاً للعودة.
وربما يكون أكثر ما يجمع هؤلاء المهجرين اليوم أنهم لا يطالبون بالمستحيل. فهم يريدون أن يعودوا فقط إلى بيوتهم بكرامة، وأن يجدوا منازل يمكن السكن فيها، وشوارع آمنة يسيرون فيها، ومدارس ومستشفيات تعمل، وضمانات تحميهم من تكرار المأساة. فعودة بلا أمن، ولا تعويض، ولا إعادة إعمار، قد لا تكون نهاية للنزوح، بل بداية لمعاناة جديدة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285