البجاع.. هل أصبحت المنفعة العامة جسراً إلى المنفعة الخاصة؟
ليست قضية البجاع مجرد نزاع عقاري، وليست خلافاً بين جهة عامة ومجموعة من المالكين، بل هي اختبار حقيقي لما إذا كانت سورية تتجه إلى ترسيخ دولة القانون، أم إلى إعادة إنتاج أدوات الماضي بوجوه جديدة.
قبل أكثر من أربعة عقود، استُملكت أراضي البجاع تحت عنوان «المنفعة العامة». يومها قيل لأصحاب الأرض إن المصلحة العامة تقتضي التضحية بحقوقهم، وإن الوطن أولى من الفرد، وإن القانون يمنح الدولة هذا الحق متى اقتضت الحاجة العامة ذلك.
رضخ الناس، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم لم يكونوا يملكون خياراً آخر.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
لم يُنشأ المشروع الذي استملكت الأرض من أجله. لم تُقم منشأة عامة، ولم تُنجز مدينة إسكانية، ولم تتحقق المنفعة التي استُخدمت ذريعة لانتزاع حق الملكية. بقيت الأرض كما كانت؛ مزارع خضراء يزرعها أصحابها، ويعتاش منها أبناؤهم وأحفادهم، جيلاً بعد جيل.
لم تتحول إلى أرض للدولة بالمعنى الواقعي، ولم تصبح مرفقاً عاماً، بل بقيت في حيازة أصحابها، يفلحونها ويحافظون عليها، وما زالت في أيدي كثير منهم سندات الطابو التي توثق ارتباطهم التاريخي بها.
كان ذلك وحده كفيلاً بأن يزرع في نفوسهم أملاً بأن هذا الملف سيُعاد النظر فيه يوماً، خصوصاً بعد سقوط سلطة النظام الذي صدرت في عهده قرارات الاستملاك، والذي ارتبط اسمه بآلاف الملفات التي اختلط فيها القانون بالإكراه، والإدارة بالتعسف.
لكن المفاجأة كانت قاسية.
فبدلاً من مراجعة قرارات مضى عليها أكثر من أربعين عاماً، عاد الملف إلى الحياة، لا لتصحيح الظلم، بل لاستكماله. وبدلاً من إعادة الحقوق إلى أصحابها، وُجهت إليهم إنذارات بالإخلاء تمهيداً لتنفيذ مشروع استثماري خاص يحمل اسم «أبيات هيلز».
وهنا يسقط المبرر الذي قام عليه الاستملاك من أساسه.
فالاستملاك ليس وسيلة لزيادة قيمة الاستثمارات، ولا أداة لتجهيز الأراضي للمشاريع التجارية، ولا طريقاً مختصراً لنقل الملكية من مواطن إلى مستثمر. إنه استثناء خطِر على قدسية الملكية الخاصة، لا يبرره إلا وجود منفعة عامة حقيقية ومباشرة.
فإذا غابت هذه المنفعة أربعين عاماً، ثم حلت محلها منفعة استثمارية، فإن السؤال يصبح مشروعاً: لمن كان الاستملاك إذاً؟ ولصالح من يُنفذ اليوم؟
إن أخطر ما في قضية البجاع ليس خسارة المزارعين لأراضيهم، بل الرسالة التي تبعثها هذه القضية إلى السوريين جميعاً: أن مرور الزمن لا يطوي المظالم، بل قد يؤجل تنفيذها فقط.
أي رسالة يتلقاها المواطن عندما يرى أن أرضاً بقيت في عهدته أربعين عاماً، يزرعها ويعيش منها، ثم يُطلب منه فجأة أن يغادرها لصالح مشروع استثماري؟ وأي ثقة يمكن أن تنشأ بين المواطن والدولة إذا كان حق الملكية يبقى معلقاً لعقود، ثم يُفعل عندما تصبح الأرض أكثر قيمة؟
إن الدولة التي تريد استعادة ثقة مواطنيها لا تبدأ بإحياء أكثر القرارات إثارة للظلم، بل بإعادة فحصها. ولا تتمسك بقرارات استملاك صدرت في ظروف استثنائية دون أن تسأل: هل بقيت الغاية التي بررتها قائمة؟ وهل يجوز أن يتحول الاستثناء الذي شُرع لخدمة المجتمع إلى أداة تخدم الاستثمار؟
قد يكون من السهل التمسك بحرفية القرارات القديمة، لكن العدالة لا تُقاس بحرفية النصوص وحدها، بل بروحها. وروح الاستملاك هي المنفعة العامة، فإذا زالت هذه الروح، لم يبق من القرار إلا شكله.
قضية البجاع ليست قضية مزارعين فقط، بل قضية كل مواطن يريد أن يطمئن إلى أن ملكيته لن تُنتزع باسم المصلحة العامة، ثم تُسلم بعد عقود إلى مشروع خاص.
فإذا قبل السوريون بهذا المنطق اليوم، فلن تكون البجاع آخر القضايا، بل ستكون سابقة يمكن أن تتكرر في كل مكان.
إن احترام الملكية الخاصة ليس ترفاً قانونياً، بل هو حجر الأساس في أي دولة تحترم مواطنيها. أما تحويل الاستملاك من وسيلة لتحقيق المنفعة العامة إلى جسر تعبر عليه الاستثمارات الخاصة، فهو ليس إصلاحاً، بل إعادة إنتاج للخلل ذاته الذي دفع السوريون أثمانه منذ عقود طويلة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285