الغرامات بالدولار... ما هو الخط الفاصل بين الجباية والصالح العام؟
سارة جمال سارة جمال

الغرامات بالدولار... ما هو الخط الفاصل بين الجباية والصالح العام؟

تصاعدت في الآونة الأخيرة موجة من الاعتراضات على القرارات التموينية والبلدية التي تفرض غرامات بالدولار الأمريكي بدلاً من الليرة، في وقت تعاني فيه العملة من انهيار تاريخي.

وتتراوح الغرامات التموينية بين 25 و75 دولاراً، حسب أصحاب بعض المحال التجارية، وتُفرض على مخالفات مثل البيع بسعر زائد أو عدم الإعلان عن الأسعار. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فمجالس بلدية مثل بلدية الهامة في ريف دمشق، وضعت لائحة مفصلة لمخالفات النظافة، من ضمنها؛ رمي القمامة من الشرفة 30 دولاراً، ومن المركبة 25 دولاراً مع حجز المركبة لمدة 3 أيام، ورمي القمامة في الدوائر الرسمية 20 دولاراً، وأثناء المشي 15 دولاراً، ووضع الخبز مع القمامة 10 دولارات. وأصبح المواطن، الذي بالكاد يؤمن لقمة عيشه، مطالباً بتسديد مخالفات بيئية بعملة لا يملكها.
ومن نافل القول التذكير بضرورة فرض مخالفات تموينية وبيئية لضبط السوق وحماية الصحة العامة والبيئة والمستهلك. ولكن الإشكالية ليست في الهدف، بل في الوسيلة والسياق.
فالمطلوب هو تحويل المخالفات إلى أداة لتحقيق الصالح العام، وليس مصدراً لجمع الدولارات بشكل يثقل كاهل المواطنين ويغذي السوق السوداء، فالفارق كبير بين الرقابة الحقيقية على الأسواق وبين سياسة «الجباية» التي تستهدف تحصيل الدولارات. وهذا يستوجب...
- أن تكون الغرامات مقوّمة بالليرة السورية، وبمبالغ تتناسب مع مستوى الدخل، بحيث تكون رادعة من دون مبالغة.
- الشفافية حول حصيلة الغرامات وكيفية إنفاقها، مع إشراك المجتمع المحلي في الرقابة، ليتحول المواطن من خائف من المخالفة إلى شريك في الحفاظ على نظافة بلدته ومدينته وعدالة أسواقه.
- أن تكون العقوبة تدريجية، فلا يدفع المواطن المفقر ثمن غرامة باهظة في أول زلة، خاصة في قضايا النظافة التي قد تكون ناتجة عن ضعف البنى التحتية، وقلة الحاويات، وتقاعس البلديات، ونقص الكوادر.
- والأهم بما يخص زيادة الكتلة الدولارية هو معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد، بدعم الإنتاج المحلي، وضبط الاستيراد، ومكافحة التهريب، وإعادة هيكلة الضرائب والرسوم.


غياب السند القانوني


أكد المحامي غياث منصور، في تصريح «لسناك سوري»، في 29 حزيران، أن فرض دفع الغرامات بالدولار «لا يستند إلى أي نص قانوني في التشريعات النافذة». ويذكر أن المرسوم رقم 5 لعام 2024 ينص صراحة على منع التعامل بغير الليرة كوسيلة للمدفوعات.
فكيف لجهات رسمية أن تخالف القانون طالما أنه لم يتغير؟ وإذا كانت الحكومة نفسها لا تثق بالعملة، فكيف تطلب من المواطنين الثقة بها؟
المفارقة الأكثر طرافة!
عبر فرض التموين غرامة بالدولار على التاجر الذي يرفع الأسعار، بحجة حماية المستهلك، يذهب التاجر إلى رفع أسعاره مرة أخرى لتعويض تكلفة الغرامة.
وهكذا يتحول القرار «الرقابي» إلى أداة تضخمية، ويدفع المستهلك الثمن النهائي في سعر السلعة وفي قيمة الليرة التي تذوب تحت حرارة الدولار.
بل إن التاجر قد يرفع أسعاره احتياطاً قبل أي جولة تموينية، كي يضمن توفير الدولار المطلوب، فيصبح القرار محفّزاً للغلاء بدلاً من كابح له.


بين الضبط والجباية


إن الاستمرار في فرض الغرامات بالدولار، وتعميمها، أشبه بإطفاء حريق بالبنزين؛ فهذه السياسات تضرب السيادة النقدية، وتغذي التضخم، وتوسع السوق السوداء، وتزيد العبء على المواطن.
فالعملة ليست مجرد أداة للدفع، بل هي رمز للسيادة، والمواطن الذي يئن تحت وطأة الأزمة يستحق سياسات تعينه على العيش بكرامة، لا غرامات تهينه بالدولار.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285