كوارث انهيار المباني تتفاقم... حادثة الحيدرية في حلب تكشف أزمة أعمق
تتواصل في مدينة حلب سلسلة حوادث انهيار المباني بشكل يثير القلق، وكان أحدثها انهيار مبنى سكني في حي الحيدرية شرقي المدينة، بتاريخ 3 تموز الحالي، ما أسفر عن إصابة ثلاثة أشخاص، فيما تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ جميع العالقين من تحت الأنقاض ونقل المصابين إلى المشافي لتلقي العلاج، بينما تواصل الجهات المختصة متابعة الموقع دون إعلان الأسباب الرسمية للانهيار حتى تاريخ إعداد هذه المادة.
وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة ملف الأبنية الآيلة إلى السقوط في حلب، في ظل تكرار الانهيارات خلال الفترة الماضية، واستمرار المخاوف من وجود عشرات المباني التي تعاني أضراراً إنشائية تجعلها عرضة للانهيار في أي وقت.
حلب... مدينة فوق طبقات من الخطر البنيوي
حادثة الحيدريّة ليست استثناءً، بل تأتي امتداداً لسلسلة طويلة من انهيارات المباني التي شهدتها المدينة خلال العامين الماضيين، في أحياء متعددة بينها الأشرفية والعامرية والشقيّف وغيرها.
وكان انهيار مبنى في منطقة الشقيّف قد أعاد قبل فترة قصيرة تسليط الضوء على خطورة الملف، بعدما وقع الانهيار أثناء أعمال ترميم وإصلاح داخل المبنى، ما أدى إلى إصابات بين المدنيين واستدعى عمليات إنقاذ بحثاً عن عالقين تحت الأنقاض، وهو ما أثار تساؤلات حول سلامة الأبنية التي تخضع لإعادة التأهيل دون ضمانات هندسية كافية.
وفي أكثر من حادثة موثقة، سجلت وفيات وإصابات متفاوتة الخطورة، إضافة إلى عمليات إنقاذ معقدة استمرت لساعات، ما يعكس هشاشة واسعة في البنية العمرانية، ولا سيما في الأحياء التي تعرضت لدمار كبير خلال سنوات الحرب.
ولم تعد هذه الحوادث تقتصر على الأبنية القديمة، بل امتدت إلى مبانٍ قيد الترميم أو إعادة التأهيل، ما يضيف طبقة جديدة من الخطورة ترتبط بآليات التنفيذ وضعف الإشراف الهندسي.
أزمة تتجاوز حلب... خطر معمم على معظم المدن السورية
ورغم أن حلب تبدو الأكثر حضوراً في مشهد الانهيارات المتكررة، فإن الخطر لا يقتصر عليها، بل يمتد إلى العديد من المحافظات السورية، ولا سيما المناطق التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، والتي بدأ سكانها بالعودة إليها تدريجياً بحثاً عن مساكن بديلة.
هذه العودة، التي تبدو طبيعية من منظور اجتماعي وإنساني، تصطدم بواقع هندسي بالغ الخطورة يتمثل في مبانٍ متصدعة أو لم تخضع لتقييم إنشائي شامل، ما يجعل احتمالات الانهيار قائمة في أي لحظة.
الترميم العشوائي بدل الدراسات الهندسية
أحد أبرز أسباب تفاقم هذه الكوارث يتمثل في انتشار عمليات الترميم الفردية أو غير المنظمة، حيث تُجرى إصلاحات على مبانٍ متضررة دون الاعتماد على دراسات إنشائية دقيقة أو إشراف هندسي متخصص، ما يحول بعض مشاريع الإصلاح إلى مصدر خطر إضافي بدلاً من أن تكون وسيلة للمعالجة.
كما أن الضغط المتزايد على السكن في المدن الكبرى يدفع كثيراً من الأهالي إلى إعادة استخدام مبانٍ غير آمنة، في ظل غياب بدائل سكنية كافية، الأمر الذي يفاقم احتمالات وقوع كوارث جديدة.
غياب المعالجة الرسمية
ورغم تكرار حوادث الانهيار، لا تزال الاستجابة الرسمية في معظم الحالات تقتصر على التدخل بعد وقوع الكارثة، عبر عمليات الإنقاذ والإجلاء وفتح تحقيقات محدودة، دون الإعلان عن خطة وطنية واضحة لمعالجة جذور المشكلة.
فلا يبدو حتى الآن أن هناك برنامجاً شاملاً يشمل...
حصر المباني الآيلة إلى السقوط.
تقييم الأحياء المتضررة إنشائياً.
فرض شروط هندسية صارمة على أعمال الترميم.
إخلاء المباني الخطرة بشكل وقائي قبل وقوع الكوارث.
ويترك هذا الواقع السكان في مواجهة مباشرة مع خطر يومي غير مرئي لكنه قد يكون قاتلاً.
القنبلة الصامتة
لا تبدو حادثة انهيار مبنى الحيدريّة مجرد حادث منفصل، بل تمثل مؤشراً جديداً على أزمة عمرانية وإنشائية تتفاقم في حلب وتمتد آثارها إلى مدن سورية أخرى، مع استمرار عودة السكان إلى مناطق متضررة جزئياً أو كلياً دون معالجة شاملة لسلامة الأبنية.
ومع غياب الرقابة الهندسية الفاعلة، واستمرار أعمال الترميم غير المدروسة، تبقى المباني الآيلة إلى السقوط قنبلة صامتة تهدد حياة المدنيين في أي لحظة، في مشهد يفرض مجدداً سؤالاً ملحاً حول مسؤولية الجهات المعنية في حماية السكان، ليس بعد وقوع الكارثة فقط، بل قبل حدوثها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285