الرصاصة التي نجت من الحرب... تقتل في السلم

الرصاصة التي نجت من الحرب... تقتل في السلم

انتهت المعارك في مساحات واسعة من سورية، لكن الحرب لم تغادر الشوارع بالكامل. فقد تركت وراءها إرثاً لا يقل خطورة عن الدمار الذي خلفته، يتمثل في آلاف قطع السلاح التي لا تزال خارج سلطة الدولة، وفي ثقافة ترى في البندقية وسيلة لحسم الخلافات، لا استثناءً تلجأ إليه المؤسسات الأمنية وحدها.

ولم يعد السوري يخشى أن يكون قريباً من جبهة قتال، بقدر ما يخشى أن يكون في المكان الخطأ، قرب شخص يحمل سلاحاً. خلاف مروري، أو مشادة كلامية، أو نزاع بين جيران، أو حفل زفاف، أو حتى محل تجاري... كلها قد تتحول خلال لحظات إلى مسرح لجريمة جديدة.
خلال الأشهر الماضية، توالت الحوادث التي عكست هذا الواقع المقلق. ففي حلب، تحول خلاف مروري إلى إطلاق نار في أحد الأحياء، قبل أن تعلن الجهات المختصة توقيف المتورطين. وفي حمص، قُتل شخصان داخل محل تجاري في حي كرم اللوز بعدما تعرضا لإطلاق نار في وضح النهار، في جريمة هزت الرأي العام لأنها وقعت في مكان يفترض أن يكون رمزاً للحياة والعمل لا للموت.
وفي حادثة أخرى في حمص، تعرضت دورية أمنية لإطلاق النار أثناء تدخلها لفض مشاجرة بين مدنيين، فأصيب عنصران، في مؤشر خطِر إلى أن السلاح لم يعد يُستخدم ضد الخصوم فقط، بل أصبح يُشهر حتى في وجه من يحاول فرض النظام.
وفي ريف دير الزور، أصيب عدد من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، بسبب إطلاق النار خلال حفل زفاف، فيما أثار مقطع مصور من أحد الأعراس في الرقة موجة استياء واسعة بعدما أظهر إطلاق النار بين الحضور باعتباره جزءاً من الاحتفال، قبل أن تعلن السلطات توقيف الفاعل. هذه الوقائع ليست سوى نماذج من عشرات الحوادث التي تتكرر في محافظات مختلفة، وتتفاوت في نتائجها بين إصابات طفيفة وجرائم قتل.

غير أن المشكلة لا تكمن في هذه الحوادث بحد ذاتها، بل فيما تعكسه من واقع أخطر. فالسلاح لم يعد مجرد وسيلة للدفاع أو بقايا مرحلة حرب، بل تحول في كثير من الأحيان إلى أداة لفرض الإرادة خارج القانون. يُستخدم في خلافات عائلية، ومشاجرات بين الجيران، ونزاعات مرورية، كما يُستخدم في جرائم انتقام وثأر، وفي عمليات سلب وسرقة تحت تهديد السلاح، الأمر الذي يجعل أي خلاف قابلاً للتحول في لحظات إلى جريمة دامية.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الجرائم لا تبقى في إطارها الجنائي، بل تُستغل لإثارة العصبيات والانقسامات، أو تقع على خلفيات طائفية أو مناطقية، فتتحول جريمة فردية إلى شرارة توتر تهدد السلم الأهلي وتمزق ما تبقى من النسيج الاجتماعي. وعندما يصبح السلاح أداة لإرسال رسائل ترهيب جماعية، أو وسيلة للانتقام خارج إطار القضاء، فإن الخطر لا يطال الضحية وحدها، بل يطال ثقة المجتمع كله بالدولة وبالعدالة.
إن استمرار هذا الواقع يعني أن الدولة لم تستعد بعد احتكارها المشروع لاستخدام القوة، وهو الاحتكار الذي يشكل الأساس لأي نظام قانوني. فلا يمكن بناء دولة حديثة إذا كان المواطن يعتقد أن البندقية أسرع من القضاء، ولا يمكن ترسيخ الاستقرار إذا بقي حمل السلاح واستخدامه في الحياة اليومية أمراً مألوفاً.

ولا يقتصر أثر السلاح المنفلت على الأمن وحده. فهو يضرب الاقتصاد عندما يخشى التاجر على متجره، ويقوض الاستثمار عندما يشعر المستثمر بأن القانون قد يعجز عن حمايته، ويزعزع الحياة الاجتماعية عندما تتحول المناسبات السعيدة إلى مصدر قلق، ويمنع عودة الثقة بين أبناء المجتمع الذين أنهكتهم سنوات الحرب.
والمقلق أيضاً أن كثيراً من هذه القضايا ينتهي بإعلان عن توقيف مشتبه بهم أو فتح تحقيق، بينما لا يعرف الرأي العام في كثير من الأحيان كيف انتهت المحاكمات، وهل صدرت أحكام رادعة بالفعل. إن العدالة لا تتحقق بإلقاء القبض على الجناة فقط، بل بإظهار أن القانون يُطبق على الجميع أيضاً، وأن من يستخدم السلاح خارج إطاره المشروع سيدفع ثمن فعلته مهما كان نفوذه أو انتماؤه.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، ومن حقهم أن يعيشوا في ظل دولة يكون فيها القانون وحده صاحب الكلمة العليا. وهذا لن يتحقق ما لم يُحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، وتُنفذ حملة شاملة لجمع الأسلحة غير المرخصة، وتُشدد العقوبات على حملها واستخدامها، وتُعلن نتائج التحقيقات والمحاكمات بشفافية، حتى يستعيد الناس ثقتهم بأن العدالة لا تزال قادرة على حماية المجتمع.

إن أخطر ما في السلاح المنفلت أنه لا يقتل ضحاياه فقط، بل يقتل فكرة الدولة بالتدريج. فكل رصاصة تُطلق خارج القانون هي انتقاص من هيبة المؤسسات، وكل جريمة تمر بلا ردع كافٍ هي رسالة إلى آخرين بأن القوة قد تتغلب على العدالة. ولا يمكن لسورية أن تطوي صفحة الحرب حقاً، ما دام إرثها المسلح لا يزال يحصد الأرواح ويهدد السلم الأهلي ويقوض أسس الدولة التي يتطلع السوريون إلى بنائها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285