صناعة الألبسة بين ضغوط الجمارك وآلام الاستيراد
فرح شرف فرح شرف

صناعة الألبسة بين ضغوط الجمارك وآلام الاستيراد

يمر قطاع الألبسة اليوم– في زمن تتهاوى فيه القطاعات الإنتاجية الواحدة تلو الأخرى– بأخطر مراحل حياته، إذ يتخبط بين ارتفاع جنوني في تكاليف الإنتاج، ورسوم جمركية متصاعدة، وغزو للمنتجات المهربة والمستوردة التي باتت تتفوق على المحلي في السعر والجودة.

وبينما تفرض دول الجوار رسوماً صفرية على المواد الأولية للألبسة، ما يمنح صناعتها ميزة تنافسية هائلة، تواصل السياسات الاقتصادية للسلطة وضع العصي في عجلات الإنتاج الوطني.
الجمارك تضرب الصناعة في مقتل
في تصريح لجريدة «الوطن»، في 28 حزيران، كشف عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، محمد العقاد، عن واقع مرير يعيشه صناعيو الألبسة، مشيراً إلى أن الصناعة تعتمد بنسبة تصل إلى 95% على المواد الأولية المستوردة، في ظل غياب شبه تام للبديل المحلي.
هذا الاعتماد المفرط على الخارج كان ولا يزال نقطة الضعف التي تستغلها السياسات الجمركية، وقد طالب القطاع مراراً وتكراراً بتخفيض الرسوم، لكن المفاجأة كانت في القرار الأخير الذي جاء مخالفاً للأمنيات.
فبدلاً من تخفيف العبء، شهدت الفترة الأخيرة رفعاً في الرسوم الجمركية على الأقمشة العادية من 500 دولار للطن الواحد إلى 700 دولار، أي بزيادة 30%، كما تم رفع رسوم الأقمشة المسنّرة إلى 1000 دولار للطن.


الورش في تراجع


يكشف واقع السوق أبعاداً اجتماعية أكثر قسوة تعكس تداعيات تراجع هذه الصناعة. فنتيجة لارتفاع التكاليف وعدم القدرة على المنافسة، لم تعد المحال التجارية وحتى المصانع تجد جدوى في الاعتماد على ورش الخياطة لإنتاج الثياب، وأصبح الخيار «الأوفر» بالنسبة للكثيرين هو السفر إلى تركيا وشراء الملابس الجاهزة.
هذا التحول في سلوك الصناعيين والتجار، ضرب قطاع التصنيع المحلي، وتسبب في جفاف العقود التي كانت تغذي آلاف الورش الصغيرة المنتشرة في المدن والأرياف.
وبحسب متابعات ميدانية، لم يعد العامل الماهر في الورش يتقاضى أكثر من 100 إلى 120 ألف ليرة يومياً، لقاء عمل شاق قد يستمر إلى 12 ساعة يومياً، أما العمال الأقل مهارة وخبرة فأجورهم متدنية جداً.
ويعكس هذا الأجر المتدني للغاية حجم الانهيار، ويدفع آلاف العائلات إلى هوة الفقر، في وقت يستمر فيه غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية.
وعلى الجانب الآخر، يعاني القطاع من ضعف في الطلب الداخلي، كنتيجة حتمية لتآكل القدرة الشرائية، وتحول الملابس إلى كماليات لا يستطيع المواطن تأمينها، ما دفع بشريحة واسعة من المستهلكين إلى التوجه نحو «البالة»، التي رغم ما توفره من خيارات أرخص، لكنها في المقابل تقضي على أي فرصة لتصريف منتجات الصناعة الوطنية.


على عتبة الاندثار


ترسم الأرقام ومعاناة العمال وتدهور الصناعة ملامح أزمة مركبة لا حل لها من دون تدخل جذري وشامل للدولة. فاستمرار رفع الرسوم على المواد الأولية في ظل اعتماد القطاع على الاستيراد بنسبة 95%، يعني ببساطة دفع هذه الصناعة المحلية نحو الاندثار التدريجي، وتحويل سورية إلى سوق استهلاكية خالصة للمنتجات الجاهزة، مع ما يرافق ذلك من خسارة لآلاف فرص العمل.
فتلبية مطالب القطاع بتصفير الجمارك على مستلزمات الإنتاج، وخفض تكاليف الطاقة، والانطلاق نحو سياسات تجارية متوازنة، هي ضرورة حتمية لإنقاذ ما تبقى من قطاع صناعي مهم، وحماية آلاف العائلات من الانزلاق نحو مزيد من البطالة والفقر المدقع.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285