WATER-RES في الغوطة الشرقية... تمويل محدود وإعادة هيكلة المياه

WATER-RES في الغوطة الشرقية... تمويل محدود وإعادة هيكلة المياه

أقرّ مجلس إدارة صندوق المناخ الأخضر (GCF) في 2 تموز 2026 خلال دورته الخامسة والأربعين المنعقدة في دوشنبه– طاجيكستان تمويل مشروع WATER-RES في سورية بقيمة تتجاوز 27,7 مليون دولار، على أن يُنفذ خلال خمس سنوات بالشراكة بين الصندوق ومنظمة ACTED والجهات الحكومية السورية المعنية بقطاع المياه، مع تركيز جغرافي واضح على منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق باعتبارها إحدى أكثر المناطق تعرضاً للإجهاد المائي وتدهور الشبكات واستنزاف الموارد الجوفية.

وجاء الإعلان الرسمي عبر وكالة الأنباء السورية سانا في 3 تموز 2026، بعد استكمال ترتيبات فنية وإدارية سبقت الإطلاق، شملت الاتفاق على آليات التنفيذ وتوزيع الأدوار وخطط التدخل الميداني، ضمن مسار طويل من الإعداد أصبح سمة ثابتة في مشاريع التمويل الأممي، حيث لا يُنظر إلى الموافقة كمرحلة نهائية بل كبداية لسلسلة من الاشتراطات الفنية والمؤسسية.

ورغم أهمية المشروع من حيث عنوانه العريض المتعلق بتحسين إدارة المياه ومواجهة آثار تغير المناخ، إلا أن محدوديته الجغرافية والتمويلية تجعله أقرب إلى مشروع تجريبي موجه أكثر من كونه خطة إنقاذ شاملة لقطاع المياه. فهو يتركز في منطقة واحدة ضمن سياق وطني يعاني من أزمة أوسع بكثير، ما يعكس نمط «التدخل النموذجي» الذي يُستخدم لاختبار أدوات الإدارة قبل تعميمها.
غير أن القراءة الأعمق لهذا النوع من التمويل تكشف أنه جزء من منظومة أممية أوسع لا تختلف في جوهرها بين صندوق وآخر، سواء كان صندوق المناخ الأخضر أو غيره من الصناديق الدولية. فهذه الجهات، رغم اختلاف تسمياتها، تعمل ضمن منطق واحد يقوم على ربط التمويل بمفاهيم «الحوكمة» و«الكفاءة» و«الاستدامة المالية»، وهي مفاهيم تتحول عملياً إلى اشتراطات مباشرة أحياناً وغير مباشرة في الغالب، تؤدي إلى إعادة توجيه السياسات العامة في القطاعات المستفيدة، ومن بينها قطاع المياه.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل المشروع عن الاتجاه العام الذي يرافق معظم هذه التدخلات، والمتمثل في الدفع نحو زيادة الجباية، وتقليل الفاقد، وإعادة هيكلة المؤسسات، وربما إدخال أدوات مثل العدادات الذكية أو مسبقة الدفع، إلى جانب إعادة النظر في أنظمة التسعير تحت عنوان «استرداد التكلفة» وتقليل الاعتماد على الدعم الحكومي تدخل في هذا السياق. ورغم أن هذه الإجراءات تُقدم كتحسينات تقنية وإدارية، إلا أنها تشكل عملياً مساراً تدريجياً لإعادة توزيع عبء الخدمة بين الدولة والمستهلك.

الأكثر حساسية في هذا المشهد أن هذا التوجه لا يأتي من الخارج فقط، بل يجد أرضية داخلية موازية، حيث لا تُظهر الحكومة في السياق العملي تحفظاً جوهرياً على سياسات تقليص الدعم أو رفع الأسعار، بل إن التجربة خلال السنوات الماضية تشير إلى مسار متدرج شمل قطاعات أساسية مثل الخبز والكهرباء والمشتقات النفطية، حيث جرى تقليص الدعم أو إعادة تسعير الخدمات بشكل متكرر تحت عناوين تحسين الكفاءة وترشيد الاستهلاك وإصلاح التشوهات المالية. وهذا التلاقي بين منطق التمويل الدولي ومنطق السياسات الداخلية يجعل مسار إعادة الهيكلة أكثر قابلية للتقدم، حتى وإن كان ذلك على حساب ارتفاع الأعباء على المستهلك النهائي.

وفي ضوء ذلك، يصبح مشروع WATER-RES أكثر من مجرد تدخل مائي في منطقة الغوطة الشرقية، بل جزءاً من مسار أوسع يعيد صياغة إدارة الموارد العامة عبر أدوات مالية وتقنية وإدارية متداخلة، حيث تتقاطع مصلحة المواطن في الحصول على خدمة أفضل وأكثر استقراراً مع مصلحة الدولة في تقليل الفاقد وتحسين الكفاءة، بينما يتحول مفهوم «الإصلاح» تدريجياً إلى آلية لإعادة توزيع الكلفة الاجتماعية للخدمات الأساسية.
وبين هذه التوازنات غير المتكافئة، يبقى السؤال المركزي مفتوحاً حول الحد الفاصل بين تحسين الخدمة وإعادة تحميل كلفتها، في قطاع لا يحتمل اختلالاً إضافياً، حيث يصبح الماء ليس مجرد خدمة عامة، بل ملفاً يعكس اتجاهات أوسع في إعادة تشكيل الاقتصاد الاجتماعي بأكمله تحت عنوان الكفاءة والاستدامة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285