ذهب سورية الأبيض... خطط تعافٍ طموحة وكابوس يثقل المزارعين
كان القطن السوري، الذي أطلق عليه «الذهب الأبيض»، يشكل عماد الاقتصاد الوطني لسنوات طويلة، ففي ذروته عام 2004، بلغت المساحة المزروعة 250 ألف هكتار، لإنتاج 1,14 مليون طن، لتحتل سورية موقعاً متقدماً عالمياً، وساهم هذا المحصول في توفير نحو 30% من فرص العمل الصناعي في ذلك الوقت، لكن سرعان ما تحولت هذه الصورة المشرقة إلى كابوس اقتصادي، إذ دخل منذ عام 2011، في دوامة انهيار متواصلة.
من الوفرة إلى الندرة
تشير البيانات إلى أن الإنتاج تراجع من 750 ألف طن عام 2011 إلى أقل من 14 ألف طن في 2024، وتقلصت المساحات المزروعة من 250 ألف هكتار إلى نحو 35 ألفاً، كما لم يُنفَّذ من المساحة المخططة العام الفائت سوى 62% فقط ليتحول القطن إلى مرآة للتردي الاقتصادي.
وفي دير الزور، إحدى أهم المناطق المنتجة، وصل الإنتاج عام 2024 إلى 5000 طن على مساحة 6000 هكتار، قبل أن يتراجع إلى 4500 طن عام 2025 على مساحة لم تتجاوز 2300 هكتار، والأكثر إثارة للقلق أن المساحة المخططة لزراعته في المحافظة لموسم 2026 بلغت 14150 هكتاراً، فيما لم يُنفَّذ منها سوى نحو 3000 هكتار حتى الآن (علماً أن زراعته تشارف على الانتهاء).
تكاليف مرهقة ومستحقات عالقة
يعزو المزارعون هذا التراجع الحاد إلى أسباب متراكمة، حيث تضاعفت تكلفة الهكتار الواحد أكثر من أربع مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة، من ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة إلى أجور اليد العاملة وصيانة الآليات، ما جعل زراعة القطن مشروعاً غير مجدٍ اقتصادياً. ويضاف إلى ذلك نقص حاد في مياه الري، فضلاً عن غياب خطط مكافحة فعّالة للآفات والأمراض، كما يؤكد أحد المزارعين، أن «سعر شراء القطن الحالي لا يغطي حتى 75% من إجمالي النفقات».
لتمتد المعاناة إلى أزمة تسويقه واستلام المستحقات، فقد كشفت رئيسة دائرة القطن في مديرية زراعة دير الزور، «أن نحو 30% من قيمة الأقطان المسوّقة لموسم 2024 لم تُصرف، مع عدم صرف أي مبالغ لموسم 2025 حتى تاريخه».
هذا التأخر دفع الكثيرين إلى الاستدانة لتأمين احتياجات أسرهم وشراء مستلزمات الإنتاج، في حلقة مفرغة تقضي على أي أمل في الاستمرار.
عزوف متصاعد
هذا الواقع المتردي دفع كثيراً من الفلاحين إلى العزوف عن زراعة القطن، وهو ما سينعكس سلباً على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، فهو ليس مجرد محصول عادي، بل مادة أولية لصناعات النسيج والزيوت والأعلاف، ففي ذروته، كانت صناعاته النسيجية تسهم بـ27% من الناتج الصناعي غير النفطي و45% من الصادرات غير النفطية أما اليوم، تقلصت الصادرات وتوقفت غالبية المحالج، كمحلج دير الزور، ما اضطر المزارعين إلى نقل أقطانهم إلى مركز المدينة، ومضاعفة الأعباء المادية، ليصبح القطن السوري مهدداً بخطر الزوال.
خطط تعافٍ وأرقام طموحة... ولكن!
خططت وزارة الزراعة لزراعة 50 ألف هكتار من القطن لهذا العام، بإنتاج متوقع يصل إلى 150 ألف طن، لكن السؤال الملح هنا: هل يمكن تحقيق هذه الأرقام الطموحة في ظل استمرار معاناة الفلاحين من ارتفاع التكاليف، وتأخر صرف المستحقات؟! فالتجارب السابقة تُظهر فجوة كبيرة بين التخطيط والتنفيذ، والمزارعون الذين يدخلون موسم 2026 دون سيولة، كيف لهم أن يستمروا في التوسع؟!
فانعدام الثقة بين المزارعين والجهات المعنية قد يكون العقبة الأكبر أمام أي خطة تعافٍ.
القطن السوري، الذي كان رمزاً للتفوق الاقتصادي، يقف اليوم على مفترق طرق، فإما أن تتخذ الجهات المعنية خطوات جادة وسريعة لمعالجة التحديات القائمة، من دعم العملية الإنتاجية وعدالة التسعير إلى صرف المستحقات في مواعيدها، وإلا فخطط التعافي ستظل حبراً على ورق، والقطن السوري سيصبح أسير ذكريات الماضي البعيد.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285
رهف ونوس