مرضى التلاسيميا يموتون بصمت... والدولة تتخلى عن دورها
منية سليمان منية سليمان

مرضى التلاسيميا يموتون بصمت... والدولة تتخلى عن دورها

في اليوم العالمي للتلاسيميا العام الفائت، أعلنت وزارة الصحة أن عدد المرضى في سورية، يبلغ نحو 6000 مريض، منهم 2350 في إدلب وحدها، أرقام قد تبدو مجرد إحصاءات باردة، لكنها تخفي وراءها رحلة معاناة يومية لعائلات أنهكها البحث عن كيس دم، أو دواء أو مجرد أمل ببقاء مريضها على قيد الحياة، في بلد يتراجع فيه القطاع الصحي بصمت ممنهج، وتتحول فحوصات ما قبل الزواج إلى مجرد حبر على ورق.

«تجاوز عدد مرضى التلاسيميا الذين كانوا يتلقون الرعاية الطبية في جرابلس شرقي حلب مثلاً، أثناء وجود طبيب مختص بأمراض الدم 90 مريضاً، لكن الرقم تراجع حالياً إلى نحو 60 مريضاً يراجعون المستشفى بشكل دوري»، وذلك بحسب تصريح مدير الإدارة الصحية في المدينة «ياسر خلاوي» لصحيفة «الثورة» بتاريخ 24/6/2026، والسبب ليس تحسناً في أوضاعهم، بل غياب بديل للطبيب المختص «الوحيد» الذي غادر المنطقة، في مشهد يعكس ندرة هذا الاختصاص الحيوي، مشيراً إلى تسجيل حالة وفاة ما يعكس الواقع الصحي المنهك.
أما الأزمة الأكثر إلحاحاً فتتمثل في بنك الدم الذي يعاني نقصاً متكرراً في الكميات المطلوبة، ما يدفع أهالي المرضى إلى البحث باستمرار عن متبرعين لتأمين احتياجات أبنائهم. فالمريض يحتاج كل أسبوعين أو ثلاثة، من كيس دم واحد إلى كيسين ونصف حسب وزنه وعمره وحاجته وعدة أمور طبية أخرى.
ومع تكرار عمليات نقل الدم، تتراكم كميات كبيرة من الحديد في أعضاء الجسم، ما يستدعي استخدام أدوية «خالبات الحديد» التي باتت غير متوفرة ومكلفة، حيث يصل سعرها إلى 17 دولاراً وتحدد الجرعة حسب الوزن والحاجة، إضافة إلى «حمض الفوليك» ومصاريف التنقل ومزيد من الأعباء التي تثقل كاهل هؤلاء المفقرين.
أما خيارات العلاج المتقدمة، كزراعة نخاع العظم والعلاجات الجينية، فهي بعيدة المنال عن معظم المرضى بسبب ارتفاع تكلفتها وعدم توفرها محلياً، باستثناء مركز واحد في دمشق، والتكلفة دولارية مرتفعة جداً، ما يجعلها حكراً على المقتدرين.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية أن 6% من مجموع الولادات السنوية تعاني من خلل وراثي، تظل سورية تسجل أكثر من 200 ولادة جديدة مصابة «بالتلاسيميا» سنوياً حسب أحدث البيانات، وهذه الأرقام دليل قاطع على أن الفحوصات الطبية قبل الزواج، رغم حضورها في التشريعات، تبقى إجراءً روتينياً في معاملات الزواج، بلا إلزام حقيقي ولا تثقيف جيني ووراثي ولا متابعة للنتائج، ونادراً ما تُشرح الاحتمالات الوراثية للمقبلين على الزواج، ونادراً جداً ما يُمنع زواج يحمل فيه الطرفان مورث المرض، والنتيجة؛ ولادات مستمرة لأطفال حُكم عليهم بالمعاناة منذ اليوم الأول، في مشهد عبثي يمكن تفاديه بتوعية موسعة وجدية وفحص طبي ملزم.
فما يحدث ليس مجرد نقص أدوية، بل استراتيجية تخلٍّ تدريجي للدولة عن دورها الرعائي وتقليص الدعم عن مراكز نقل الدم، وخصخصة مبطنة للخدمات، وتقاعس عن تطبيق برامج وقائية حقيقية، وكلها تؤكد أن حياة المرضى ليست في سلم الأولويات الرسمي.
ففي جرابلس، وكل مدينة سورية، تختصر قصة طفل يترقب كيس دم كل أسبوعين حكاية وطن كامل بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف معنى «الحق في الصحة».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1285