القامشلي تُصبح مدينة مسمومة
أظهر تقرير حديث نسبياً، أن القامشلي؛ كبرى مدن محافظة الحسكة، باتت في السنوات الأخيرة «مدينة مسمومة» بعد وصول تلوث هوائها إلى نسب مخيفة، بسبب مولدات الكهرباء غير النظامية، وأدخنة عوادم السيارات المهترئة، وخاصة تلك التي تعمل على الديزل (المازوت)، بالإضافة إلى حراقات النفط البدائية في ريف المدينة في وقت تكاد تنعدم فيه مساحات التشجير عن معظم المنطقة لأسباب أهلية ورسمية.
قاسيون- مراسل القامشلي (خاص)
وتحت عنوان «القامشلي المدينة المسمومة»، أكد التقرير المصور، الذي جاء على شكل تحقيق صحافي نشرته صحيفة «الجمهورية» على موقعها الإلكتروني، أن «التلوث في القامشلي لم يعد التلوث خطراً خفياً بل واقعاً يومياً يرى ويسمع».
مولدات الكهرباء (الأمبيرات)
أظهر التقرير، ومدته نحو 20 دقيقة، عدم استجابة مجلس بلدية القامشلي لمطالبات الأهالي بإبعاد مولدات الكهرباء- المرتبط أصحابها بمسؤولين نافذين في «الإدارة الذاتية»- عن منازلهم والأحياء السكنية.
ومع غياب تدريجي ثم كامل للكهرباء في القامشلي وعموم الحسكة منذ السنة الأولى للحرب السورية، تحول عشرات الأشخاص- من الذين تمكنوا من الحصول على امتياز تشغيل مولدات كبيرة لتغذية الأحياء والمناطق الصناعية والتجارية بالكهرباء بنظام الأمبير- من مجرد عمال غير محترفين إلى أصحاب الثروات، بسبب احتكارهم للخدمة، وبيعها بأسعار مبالغ فيها وبجودة فنية سيئة، رغم تذمر الأهالي وشكاواهم المستمرة التي كانت تدفع الإدارة الذاتية إلى إصدار تعاميم لضبط الأسعار دون أن يتم التقيد بها.
القامشلي مدينة السيارات
ربما تكون القامشلي أكثر مدينة سورية تضم سيارات وشاحنات مقارنة بعدد سكانها، والغالبية العظمى لتلك السيارات أدخلتها الإدارة الذاتية في بداية سيطرتها على محافظة الحسكة، ومعظمها تعمل على الديزل (المازوت) وأول ما يجريه صاحب السيارة هو إلغاء «حساس البيئة» نتيجة إنذاره الدائم بسبب المحروقات الرديئة التي توفرها الإدارة الذاتية عبر حراقاتها البدائية في الريف.
وقال مصدر لـ «قاسيون»: «لا تزال الإدارة الذاتية مستمرة في إدخال السيارات من المعابر التي تسيطر عليها وتفرض آلاف الدولارات.. المهم هو جني الأموال، ولا عزاء للبيئة أو الناس».
حراقات النفط البدائية
تضم القامشلي وريفها معظم الحراقات البدائية في منطقة الجزيرة، وهي عبارة عن مصافي تكرير عشوائية لاستخراج المازوت والبنزين وبعض مشتقات النفط الأخرى لبيعها في السوق المحلية، وأحياناً لتهريبها إلى مناطق خارج سيطرة الإدارة الذاتية.
وتمكن عشرات الأشخاص من المحسوبين على بطانة الإدارة الذاتية والنافذين فيها من استثمار آبار النفط، وعمليات التكرير البدائية التي تسببت بكوارث بيئية طالت القرى والصحارى، التي تجرى فيها عمليات استخراج النفط وتكريره في عموم منطقة الجزيرة، كما انعكست آثارها على العاملين في هذا القطاع، الذين تقدر أعدادهم بالآلاف، في وقت يقدر فيه حجم هذا القطاع بمئات ملايين الدولارات سنوياً.
وأكدت مصادر «قاسيون» أن معظم سكان قرية الحاصودية النائية في ريف بلدة رميلان النفطية (68 كلم شرق القامشلي) مصابون بأمراض سرطانية وبدرجات مختلفة، وأن جميع سكان القرية الفقراء يعملون في مجال استخراج النفط وتكريره.
المدينة التي أصبحت كتلة خرسانية
أضحت مدينة القامشلي، خلال سنوات الحرب السورية، عبارة عن كتلة خرسانية بسبب عشوائية بناء آلاف العمارات المخالفة، التي لا تستند إلى نظام البناء، وعدم تخصيص مساحات للوجائب وإهمال التشجير.
وقال مصدر لـ «قاسيون»: إن المهم لدى بلديات الإدارة الذاتية هو دفع آلاف الدولارات لقاء رخص البناء، ولا يهمهم إذا كانت تلك العمارات مخالفة، أو تقيدت بنظام البناء من وجائب ومساحات تشجير، أو حتى مخالفات على أملاك الدولة، أو حتى الجيران في بعض الحالات، المهم لديها تحصيل آلاف الدولارات من كل مخالفة.
أظهر التقرير، أن عدم الاهتمام بالتشجير وإهماله هو أحد أسباب تلوث هواء القامشلي وريفها.
كما أظهر لقطات وصور مرعبة للتربة والمزروعات والأنهار في المناطق التي تضم حراقات النفط البدائية، وأكد الأهالي انتشار حالات سرطانية عديدة في مناطقهم ووصفوا تلك الحالات الكثيرة بـ «الموت البطيء».
غازات سامة
استخدم معدو التقرير جهاز بوشن المحمول (BOSEAN) وهو عبارة عن نظام إنذار مبكر للحماية من التلوث الخفي والغازات الخطيرة والسامة المنتشرة في الهواء مثل: غازات (O2, CO, H2S, CH4)، أو أول أكسيد الكربون بالإضافة إلى قياسه لجودة الهواء الداخلي الذي يضم ثاني أكسيد الكربون، والجسيمات الدقيقة (PM2.5)، والفورمالدهيد (HCHO)، والمركبات العضوية المتطايرة (TVOC).
وخلص التقرير إلى ارتفاع معدلات أول أوكسيد الكربون في حي الكورنيش جنوب غرب القامشلي، إلى نحو ثمانية أضعاف من الحد المسموح به، حيث سجلت بين 9 إلى 35 جزيء في كل مليون جزيء من الهواء، بينما المعدل المسموح هو بين 4.4 جزيء فقط. أما ملوثات الجزيئات الدقيقة التي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون (PM2.5)، فقد سجلت أكثر من 12 ضعف المعدل المسموح، حيث بلغت 149 ميكرو غرام في كل متر مكعب من الهواء، في حين أن الحد الأمن هو 12 ميكرو غرام فقط. وفيما يخص الجزيئات التي يقل قطرها عن 10 ميكرون (PM10)، فقد رصدت مستويات تتجاوز خمسة أضعاف المعدل المسموح به، مسجلاً 304 ميكرو غرام في كل متر مكعب من الهواء، مقابل معدل مسموح لا يتجاوز 54 ميكرو غرام، وهذه النتائج تكررت بنتائج متفاوتة داخل المدينة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283