الاستغلال في السوق العقاري... الإيجارات تبدد ما في جيوب السوريين
فرح شرف فرح شرف

الاستغلال في السوق العقاري... الإيجارات تبدد ما في جيوب السوريين

تشهد سوق الإيجارات ارتفاعاً غير مسبوق، يكاد يكون استفزازياً في سرعته ووتيرته. فوفقاً لرصد مكاتب عقارية، تجاوزت نسبة الزيادة السنوية 100% خلال العام الجاري، مقارنة بالعام الماضي، ما يعكس انفصالاً تاماً بين حركة الأسعار وقدرة المواطن الشرائية.

ففي مناطق «راقية» مثل المزة والمالكي وغيرها، تتراوح الإيجارات السنوية للشقق بين 7 آلاف و12 ألف دولار. أما في ركن الدين فوصلت الإيجارات إلى عتبة 700 دولار، وفي ريف دمشق مثل جرمانا ودوما، بلغ إيجار الغرفة الواحدة 100 دولار شهرياً، فيما بالكاد تتجاوز الرواتب هذه العتبة؛ أي إن الموظف قد يضطر لدفع كامل راتبه لقاء سقفٍ لا يتجاوز عشرين متراً مربعاً!
وقد أكد العديد من المواطنين أنهم ينفقون أكثر من نصف راتبهم الشهري على الإيجار، ما يضطرهم إلى الاقتراض أو العمل في وظيفتين– إن أمكن– لتغطية بقية الاحتياجات الأساسية من غذاء وعلاج وتعليم.


آليات الاستغلال


ليس ارتفاع الأسعار فقط ما يميز أزمة الإيجارات، بل انعدام الضوابط التي تحكم هذه الارتفاعات. فنتيجة غياب أي تشريع يحدد سقفاً للزيادات، يمارس السماسرة سلطة مطلقة على السوق، فيرفعون الإيجار بنسبة 50% سنوياً، بحسب ما أفاد به بعض أصحاب المكاتب العقارية، من دون مبرر سوى الرغبة في تحقيق أرباح خيالية، مستغلين الحاجة الماسة للسكن والغياب الكامل للرقابة.
ولعلّ أخطر الممارسات هي ظاهرة «الإخلاء القسري» التي أصبحت أداة ضاغطة على المستأجرين، بحجة الرغبة في البيع، فقط ليُعاد تأجير العقار نفسه بأسعار مضاعفة. بالإضافة إلى استمرار التلاعب بقيمة العقود الرسمية، فتُسجل الإيجارات بعقود تقل عن القيمة الحقيقية المدفوعة، بهدف التهرب من الضرائب ورسوم البلدية.
وهنا يتحمل المستأجر العبء المزدوج؛ يدفع الإيجار المرتفع فعلياً، ثم يتحمل تكاليف الفواتير والعمولات، وفي النهاية يكون عرضة لرفع الإيجار في أي لحظة أو الإخلاء مع نهاية مدة العقد، ليبقى مهدداً بين الاستقرار والتكلفة.


تناقض العرض والطلب


لا يمكن تفسير أزمة الإيجارات بالعرض والطلب؛ فالعرض الحقيقي لا يقاس بعدد الوحدات السكنية الفارغة، بل بعدد الوحدات المعروضة فعلياً للإيجار أو البيع بأسعار معقولة.
والواقع أن آلاف الشقق تبقى خالية لسنوات، بينما تعاني الأسر من انعدام السكن، لأن هذه الوحدات مُحتكرة للاستثمار. فالسمسار يفضل ترك الشقة فارغة لأشهر، ريثما يجد مستأجراً يدفع، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة المالك نفسه، الذي قد يكون بعيداً عن السوق وغير ملم بحركته.


الحلول ليست مستحيلة


تبدو الحلول الجذرية لأزمة السكن بعيدة، إلا أنها قد تبدأ بإصدار تشريعات عادلة تحدد سقفاً للإيجارات بكل منطقة، وتلزم المالكين بنسب زيادة محددة ومنظمة، وتضع آليات رقابية صارمة لمحاسبة المتلاعبين والمحتكرين، وتحد من استمرار كثرة الشقق الشاغرة.
والأهم ضرورة إعادة إطلاق مشاريع الإسكان الاجتماعي، بالتقسيط وبنسب فوائد مدعومة، لتوفير بدائل سكنية شعبية بمواصفة جيدة وسعر اقتصادي، للفئات الأكثر احتياجاً، وكسر الاحتكار، بما يعيد تصويب النظرة للسكن باعتباره حقاً أساسياً، وليس سلعة تخضع لمزاج السوق وأطماع السماسرة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283