جداول الزيادة النوعية المعدلة.. العدالة الموعودة وتكريس الفجوة الوظيفية
عندما صدرت جداول الزيادة النوعية الأولى للعاملين في القطاع الصحي، فجرت موجة واسعة من الاعتراضات والاعتصامات بسبب ما اعتبره العاملون استبعاداً غير مبرر لشرائح وظيفية واسعة من أي تحسين حقيقي في أوضاعها المعيشية. وقد كان من المفترض أن تأتي الجداول المعدلة الصادرة بتاريخ 11 حزيران بالتنسيق بين وزارة المالية، ووزارة الصحة، استجابة لهذه الاعتراضات، وأن تعالج مواطن الخلل التي كشفتها النسخة الأولى، وأن تؤسس لسياسة أجرية أكثر عدالة وإنصافاً. إلا أن ما صدر عملياً لم يكن تصحيحاً جوهرياً للاختلالات بقدر ما كان إعادة إنتاج لها بصيغة جديدة، مع تكريس فجوات مالية ووظيفية غير مسبوقة داخل المؤسسة الواحدة.
فالجداول المعدلة وسعت مكاسب بعض الفئات والمواقع الوظيفية، لكنها أبقت آلاف العاملين خارج نطاق الزيادة النوعية بالكامل. وشمل ذلك شرائح واسعة من الإداريين، والفنيين، والعاملين المساندين، وموظفي الخدمات، إضافة إلى عدد كبير من حملة الشهادات الجامعية من الفئة الأولى العاملين في المديريات الإدارية والفنية التابعة لوزارة الصحة.
والمفارقة الأبرز، أن وزارة الصحة بصفتها إدارة مركزية، تقوم في جزء كبير من عملها على كوادر إدارية وفنية متخصصة، تعمل في مديريات الموارد البشرية والتنمية الإدارية والتخطيط والإحصاء والمعلوماتية والشؤون القانونية والمالية والديوان العام وغيرها من المديريات التي تشكل العمود الفقري للعمل المؤسسي. ومع ذلك، فإن معظم العاملين في هذه المديريات لم تشملهم الزيادة النوعية، رغم أنهم يشكلون الحلقة التنفيذية الأساسية التي تقوم عليها الإدارة الصحية.
ففي الوقت الذي استفاد فيه بعض المديرين ورؤساء الدوائر والأقسام من الزيادات الجديدة، بقي الموظفون العاملون تحت إشرافهم خارج أي تحسين مماثل. وبذلك نشأت حالة يصعب تبريرها من منظور العدالة الوظيفية: رئيس الدائرة مشمول، أما موظفو الدائرة فمستبعدون. مدير المديرية مستفيد، أما الكادر الإداري والفني الذي يدير العمل اليومي فلا يحصل إلا على الزيادة العامة المحدودة.
ولعل المثال الأكثر وضوحاً على حجم التفاوت الذي أفرزته هذه الجداول يتمثل في المقارنة بين موظَفَين من الفئة الأولى يعملان في المؤسسة نفسها، ويحملان مؤهلات علمية متقاربة. فالموظف الحاصل على إجازة في الحقوق أو الاقتصاد أو التجارة أو الإدارة ويعمل في الموارد البشرية، أو الشؤون القانونية أو المالية أو التخطيط أو التنمية الإدارية، لم يحصل سوى على الزيادة العامة البالغة 50% من الأجر المقطوع. ونتيجة لذلك أصبح إجمالي أجره الشهري بحدود 1,4 مليون ليرة تقريباً، مع تعويضات محدودة قد لا تتجاوز 3% في بعض الحالات.
في المقابل، أصبح أجر رئيس دائرة، أو رئيس قسم مركزي من الفئة الأولى والمشمول بالزيادة النوعية، مع التعويضات، بحدود 8,4 ملايين ليرة شهرياً.
أي أن الفارق بين الطرفين يصل إلى نحو 7 ملايين ليرة شهرياً، رغم أن كليهما ينتمي إلى الفئة الوظيفية نفسها، ويحمل مؤهلات جامعية متقاربة، ويعمل ضمن المؤسسة ذاتها. وبعبارة أخرى، فإن رئيس الدائرة أو القسم أصبح يتقاضى ما يقارب ستة أضعاف ما يتقاضاه الموظف الجامعي العامل تحت إدارته.
هذه الأرقام تكشف أن المسألة لم تعد مرتبطة بمنح بدل مسؤولية أعلى للمواقع القيادية، وهو أمر طبيعي وموجود في جميع أنظمة الخدمة العامة، بل باتت تعكس وجود فجوة مالية ضخمة داخل الفئة الوظيفية الواحدة. وهي فجوة لا يمكن تفسيرها فقط باختلاف المسؤوليات، بل ترتبط مباشرة بمعيار الشمول والاستبعاد الذي اعتمدته الجداول.
الأكثر إثارة للجدل، أن الفئات غير المشمولة بالزيادة النوعية لم تحصل سوى على زيادة عامة بنسبة 50% من الأجر المقطوع النافذ بتاريخ 31/12/2025. وهنا برزت إشكالية إضافية، تمثلت في أن هذه الزيادة جاءت على أساس الأجر القائم في نهاية عام 2025، ما أثار تساؤلات مشروعة حول مصير الترفيع الدوري (9%) المستحق اعتباراً من 1/1/2026. فبالنسبة لكثير من العاملين، بدا الأمر وكأن جزءاً من الزيادة التي كان يفترض أن تتحقق بحكم الترفيع السنوي قد جرى استيعابه ضمن نسبة الـ50% المعلنة، بدلاً من أن يشكل حقاً مستقلاً يضاف إليها.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فالأرقام المعلنة لا تعكس حقيقة ما يصل إلى العامل فعلياً. إذ إن الأجر المقطوع بعد رفعه يخضع لضريبة الدخل، وللاقتطاعات التأمينية، وللتأمين الصحي، وللصناديق النقابية والمهنية المختلفة. كما أن ارتفاع الأجر المقطوع يؤدي إلى ارتفاع قيمة الاقتطاعات نفسها، ما يعني أن الزيادة الصافية الفعلية تكون أقل بكثير من الزيادة الاسمية المعلنة.
أما الممرضون الذين شملتهم الزيادة النوعية، فرغم استفادتهم منها، بقيت الفجوة بينهم وبين فئات أخرى كبيرة، وهو ما أبقى جزءاً مهماً من أسباب الاعتراض قائماً. فالمطلوب كان بناء منظومة أجور أكثر توازناً وعدالة، لا مجرد إعادة توزيع الامتيازات بين فئات محددة.
إن أخطر ما أفرزته الجداول المعدلة هو تكريس ما يمكن وصفه بـ»النخب الوظيفية» داخل القطاع الصحي. فبدلاً من توسيع دائرة المستفيدين وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين العاملين، جرى تركيز الجزء الأكبر من المكاسب في مواقع وظيفية وإدارية محددة، بينما بقيت شرائح واسعة من العاملين تعتمد على زيادة عامة محدودة التأثير ومثقلة بالاقتطاعات المختلفة.
لقد خرج العاملون للاعتراض على النسخة الأولى لأنهم طالبوا بالعدالة، لا لأنهم رفضوا تحسين أجور فئات معينة. وكان المنتظر من النسخة المعدلة أن تعالج هذا الخلل وتعيد الثقة بالسياسة الأجرية الجديدة. لكن ما حدث عملياً هو أن الفجوة التي فجرت الاعتراضات لم تُغلق، بل أصبحت أكثر وضوحاً بالأرقام.
وعندما يصبح موظف جامعي من الفئة الأولى يتقاضى نحو 1,4 مليون ليرة شهرياً، بينما يتقاضى رئيس قسم أو دائرة من الفئة نفسها نحو 8,4 ملايين ليرة شهرياً، فإن السؤال لم يعد متعلقاً بقيمة الزيادة فحسب، بل بمفهوم العدالة نفسه. فهل كان الهدف من الجداول المعدلة معالجة الاختلالات القائمة، أم إعادة رسم خريطة الامتيازات داخل المؤسسة بطريقة أكثر وضوحاً وعمقاً؟
ذلك هو السؤال الذي ما زالت الجداول المعدلة عاجزة عن تقديم إجابة مقنعة عنه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283