رغيف يتقلص ودعم يتبخر.. حين تتحول الوفورات إلى جوع مُقنن!
لم تكن سياسة الخبز خلال الفترة الأخيرة مجرد تعديل إداري في الوزن، أو إعادة ضبط فني للمواصفة، بل مساراً متدرجاً من تقليص الدعم الفعلي عبر تقليص الكمية، مع الإبقاء على السعر الاسمي نفسه، بما يجعل الخسارة غير مرئية في فاتورة الشراء، لكنها حاضرة يومياً على المائدة.
خلال العام الحالي وحده، انتقل وزن ربطة الخبز من 1200 غرام إلى 1000 غرام، عبر سلسلة تخفيضات متتابعة. وبذلك لم يكن التغيير دفعة واحدة، بل تقليصاً تدريجياً يُذيب الدعم خطوة بعد أخرى.
ماذا يعني ذلك للأسرة عملياً؟
أسرة تستهلك ربطتي خبز يومياً تواجه الآن واقعاً مختلفاً تماماً!
بداية العام (1200 غرام للربطة): تحصل الأسرة على 2,4 كغ يومياً أي 72 كغ شهرياً.
اليوم (1000 غرام للربطة): تحصل الأسرة على 2 كغ يومياً أي 60 كغ شهرياً.
الخسارة الشهرية: 12 كغ خبز شهرياً، أي ما يعادل 12 ربطة كاملة شهرياً، وبسعر 4000 ليرة للربطة، فإن خسارة الأسرة خلال هذا العام وحده تعادل 48,000 ليرة سورية شهرياً.
هذه ليست زيادة سعر معلنة، لكنها عملياً «ضريبة مخفية» على الغذاء الأساسي.
الخسارة التراكمية منذ نهاية 2024
عند العودة إلى نهاية 2024، كانت ربطة الخبز بوزن يقارب 1500 غرام.
وبالمقارنة مع الوضع الحالي (1000 غرام)، فإن الأسرة نفسها اليوم تواجه فجوة أكبر!
نهاية 2024: 3 كغ يومياً تعادل 90 كغ شهرياً.
اليوم: 2 كغ يومياً تعادل 60 كغ شهرياً.
الخسارة الشهرية التراكمية: 30 كغ خبز شهرياً، أي ما يعادل 30 ربطة شهرياً، وبالسعر الحالي: 120,000 ليرة سورية شهرياً خسارة فعلية.
بمعنى آخر: الأسرة لا تدفع أكثر رسمياً، لكنها خسرت ثلث كمية الخبز تقريباً، وتضطر لتعويضه من ميزانيتها المحدودة أو تقليص استهلاكها.
على مستوى الدولة–ما الذي تم «توفيره»؟
بحسب الإنتاج المعلن (نحو 4,4 ملايين ربطة يومياً) بحسب التصريحات الرسمية.
التخفيض خلال العام الحالي فقط، من 1200 إلى 1000 غرام: 880 طن خبز يومياً، أي 26,400 طن شهرياً، و170,720 طن سنوياً.
ما يعادل كمية قمح: 748 طن يومياً، أي 22,440 طن شهرياً، و145,112 طن سنوياً.
وبسعر رسمي للقمح 46 ألف ليرة جديدة للطن في الموسم الحالي، يكون المبلغ 34,4 مليون ليرة جديدة يومياً، أي 1,03 مليار شهرياً، و6,68 مليارات سنوياً، وهو يعادل 59 مليون دولار سنوياً تقريباً، وفق السعر الرسمي للدولار المحسوب بالموازنة البالغ 11300 ليرة.
أما التخفيض التراكمي منذ نهاية 2024 وحتى الآن، من 1500 الى 1000 غرام: 2,200 طن خبز يومياً، أي 66,000 طن شهرياً، وأكثر من 800,000 طن سنوياً.
ما يعادل كمية قمح: 1,870 طن يومياً، أي 56,100 طن شهرياً، و682,550 طن سنوياً.
وبالقيمة: 86 مليون ليرة جديدة يومياً، أي 2,58 مليار شهرياً، و31,4 مليار سنوياً، ما يعادل نحو 280 مليون دولار سنوياً.
بين نهجين.. أم نهج واحد؟
المفارقة، أن ما يجري لا يبدو كتحول في السياسات بقدر ما هو استمرار لمسار طويل بدأ سابقاً يقوم على فكرة واحدة: خفض الدعم لا عبر إصلاح منظومة الإنتاج، بل عبر تقليص ما يصل إلى المواطن مباشرة.
فالسلطة الساقطة اتبعت هذا النهج تحت عنوان «تقليص العجز»، والسلطة الحالية لم تكسره، بل أعادت إنتاجه بوتيرة أسرع وأكثر حدة، وبأثر اجتماعي أعمق، عبر الاستمرار في المساس بالمادة الأكثر حساسية: الخبز.
الوفر الذي لا يُرى
في نهاية العام، قد تُسجل هذه الإجراءات في دفاتر المالية العامة كـ «وفورات بالدولار»، وقد تُعرض الأرقام كإنجاز في إدارة الدعم.
لكن في المقابل، الحساب الحقيقي يظهر في مكان آخر: 48 ألف ليرة شهرياً خسارة مباشرة للأسرة خلال هذا العام، 120 ألف ليرة شهرياً خسارة تراكمية منذ 2024، وثلث كمية الخبز اختفت من حياة الناس دون أن يُرفع السعر رسمياً!
فالخبز لم يصبح أغلى على الورق.. لكنه أصبح أقل في الواقع.
وهكذا تتحول «الوفورات» في الموازنة إلى حقيقة بسيطة في الشارع: ربطة أقل ورغيف أصغر.. وجوع أكبر.
من تقليص الدعم إلى تقليص الصبر الشعبي
الأخطر في هذه السياسة، ليس حجم الوفر المالي الذي تحققه، بل الثمن الاجتماعي والإنساني الذي يُدفع مقابلها. فعندما يتحول رغيف الخبز، وهو آخر خطوط الدفاع عن الأمن الغذائي لملايين السوريين، إلى الهدف الأسهل لسياسات التقشف وخفض الإنفاق، فإن الدولة لا تعالج الأزمة بقدر ما تنقل كلفتها إلى الفئات الأكثر فقراً، والأقل قدرة على الاحتمال.
فالسلطة التي تبحث عن التوازن المالي في رغيف الفقير، لا توفر الأموال بقدر ما تستنزف ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود. والأخطر من ذلك، أن الاستمرار في هذا النهج لن يؤدي فقط إلى مزيد من التدهور المعيشي، بل إلى تراكم الغضب والاحتقان الشعبي أيضاً، لأن المواطنين قد يتحملون الكثير من الصعوبات، لكنهم نادراً ما يتسامحون مع المساس بلقمة عيشهم الأساسية. وقد تنجح الحكومات في تسجيل وفورات على الورق، وفي جداول الموازنة، لكنها تخاطر في المقابل بتوسيع الفجوة بينها وبين المجتمع، لأن كل رغيف يُنتزع من موائد الفقراء يتحول في النهاية إلى سبب إضافي للسخط وفقدان الثقة، وإلى عبء سياسي واجتماعي قد تكون كلفته أكبر بكثير من أي وفر مالي تم تحقيقه.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283