افتتاح معمل مياه في زمن العطش

افتتاح معمل مياه في زمن العطش

في 15 حزيران 2026 أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة افتتاح معمل لتعبئة المياه المعدنية في المدينة الصناعية بالشيخ نجار بحلب، بحضور نائب وزير الاقتصاد والصناعة المهندس باسل عبد الحنان، ورئيس غرفة صناعة حلب عماد طه القاسم، ومدير الصناعة في حلب عبد الجبار زيدان، ومدير المدينة الصناعية يوسف فتوح، وعدد من أعضاء مجلس إدارة غرفة صناعة حلب.

وبحسب الخبر الرسمي، اطّلع الوفد على سير العملية الإنتاجية ومراحل التصنيع المختلفة داخل المعمل، كما جرى بحث واقع العمل مع أصحاب المنشأة والاستماع إلى مقترحاتهم لتحسين بيئة الإنتاج. كما نقل الخبر مطالب الصناعيين المتعلقة بحماية الصناعة الوطنية وتشديد الرقابة على المنشآت الصناعية وضبط المعامل غير المرخصة.
لكن الخبر، رغم كل هذا الحضور الرسمي، أغفل أهم الأسئلة التي تهم المواطنين.
فلم يذكر اسم الشركة المالكة للمعمل، ولا حجم الاستثمار، ولا عدد فرص العمل التي يوفرها، ولا طاقته الإنتاجية، ولا حتى مصدر المياه التي سيعتمد عليها. وهي معلومات أساسية يفترض أن تكون أول ما يعلن عنه عندما يجري تقديم مشروع اقتصادي للرأي العام باعتباره إنجازاً يستحق هذا المستوى من الاهتمام الرسمي.
المشكلة ليست في افتتاح معمل جديد. فالاستثمار والإنتاج وتوفير فرص العمل أمور مطلوبة في أي اقتصاد يسعى إلى التعافي. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يحظى افتتاح معمل لتعبئة المياه بكل هذا الزخم الرسمي في الوقت الذي يعاني فيه ملايين المواطنين من صعوبات متزايدة في الحصول على مياه الشرب عبر الشبكات العامة؟
في بلد يواجه شحاً مائياً متفاقماً، لا يبدو النقاش الحقيقي متعلقاً بعبوات المياه الموجودة على رفوف الأسواق، بل بالمياه التي يفترض أن تصل إلى المنازل. فالمواطن لا يعيش أزمة نقص في العلامات التجارية للمياه المعبأة، بل أزمة وصول المياه إلى صنبوره لساعات كافية وبنوعية مقبولة.

ومن هنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها؛ بينما تتراجع كميات المياه المتاحة عبر الشبكات العامة في كثير من المناطق، يجري التوسع في منح تراخيص لمعامل تعبئة المياه الخاصة، وتحويل مورد حيوي ونادر إلى نشاط استثماري مفتوح على نطاق واسع.
ففي عام 2025 تم إنهاء الحصرية التي كانت قائمة لمصلحة منشآت القطاع العام في مجال تعبئة المياه، وفتح الباب أمام المستثمرين لإنشاء معامل جديدة. وخلال فترة قصيرة أُعلن عن عشرات بل أكثر من مئة طلب ترخيص في هذا القطاع.
لكن أين هي الدراسات التي توضح أثر هذا التوسع على الموارد المائية؟
وكم ستبلغ كميات المياه التي ستُسحب سنوياً لصالح هذه المشاريع؟
وما هي الضمانات التي تمنع استنزاف المخزون الجوفي في بلد يعاني أصلاً من تراجع موارده المائية؟
وهل جرى تحديد أولوية واضحة بين حاجة المواطنين لمياه الشرب وحاجة المستثمرين إلى المياه كمادة أولية لمشاريعهم؟
هذه أسئلة لا يقدم الخبر الرسمي أي إجابة عنها.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فسورية تمتلك منذ عقود معامل عامة معروفة لتعبئة المياه مثل الدريكيش وبقين والفيجة، وهي منشآت قامت على ينابيع ومصادر مائية عامة واستثمرت فيها الدولة أموالاً وموارد كبيرة.
فما هو وضع هذه المعامل اليوم؟
هل تعمل بكامل طاقتها؟
هل تم تحديث خطوط إنتاجها؟
هل جرى تقييم إمكانية توسيع إنتاجها قبل فتح الباب أمام هذا الكم من المشاريع الخاصة؟
وهل تتجه الدولة تدريجياً إلى الانسحاب من هذا القطاع أم إلى منافسة المستثمرين فيه؟
لا توجد إجابات واضحة.
أما ما يزيد من علامات الاستفهام فهو موقع المشروع نفسه. فالمدينة الصناعية في الشيخ نجار ليست منطقة معروفة بوجود ينابيع معدنية شهيرة. لذلك يصبح السؤال عن مصدر المياه أكثر إلحاحاً من السؤال عن عدد العبوات التي سينتجها المعمل. فمن أين ستأتي هذه المياه؟ وما هو أثر سحبها على الموارد المحلية والإقليمية؟
إن أخطر ما في الموضوع ليس معمل الشيخ نجار بحد ذاته، بل الفلسفة التي تقف خلف هذا التوجه. فعندما تتحول المياه تدريجياً من خدمة عامة يفترض أن تكون متاحة للجميع إلى سلعة يجري التوسع في إنتاجها وبيعها بسبب تراجع كفاءة الشبكات العامة، فإننا نكون أمام تحول اقتصادي واجتماعي يستحق نقاشاً واسعاً.
المواطن لا يريد أن يشتري حقه في مياه الشرب على شكل عبوات بلاستيكية. المواطن يريد أن تصله المياه النظيفة إلى منزله عبر شبكة عامة فعالة وعادلة. وهذه هي المهمة الأساسية لأي سياسة مائية رشيدة.
لذلك فإن افتتاح معمل جديد للمياه لا ينبغي أن يكون مناسبة للاحتفال فقط، بل مناسبة لطرح أسئلة صعبة حول أولويات إدارة الموارد المائية، وحول مستقبل المياه العامة في بلد يزداد عطشاً عاماً بعد عام.
فالخبر الحقيقي ليس افتتاح معمل جديد.

الخبر الحقيقي هو: كيف ستدار المياه في سورية خلال السنوات القادمة؟ ومن ستكون له الأولوية في الحصول عليها: المواطن أم السوق؟

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283