الاستثمار في الصناعات الدوائية... الفرص الاقتصادية والحاجة المحلية
تقف الصناعة الدوائية اليوم أمام مفترق طرق؛ فهي تمتلك من الإمكانيات والخبرات ما يؤهلها لأن تكون قطاعاً رائداً، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات عدة.
فبينما منحت الحكومة 12 ترخيصاً جديداً، بالإضافة إلى وجود 82 معملاً، بحسب تصريحات سابقة لمدير الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة، الدكتور نزير العتقي، إلا أن السوق لا تزال تعاني من فجوات نوعية، خاصة في الأدوية النوعية كأدوية الأورام والأمراض المناعية، التي ما زالت تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار.
معايير عالمية أم معايير المواطن؟
برز في معرض الصناعات الدوائية التي استضافته حلب في 11 حزيران، سؤال جوهري: هل تسير سورية نحو صناعة دواء وفق معايير عالمية تمكنها من المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية، أم إن الأولوية يجب أن تكون لتوفير دواء بأسعار معقولة للمواطن المفقر؟
ولم يغب هذا السؤال عن نقاشات الصيادلة، فقد رأى بعضهم وفق ما نقلته «الثورة السورية» في 12 حزيران، أن الانتعاش الحقيقي يتثمل في تعزيز قدرة الدواء الوطني على منافسة البدائل الأجنبية. ولا سيما أن بعض الأطباء ما زالوا يفضلون وصف أدوية مستوردة، لما يرونه من قصور في فاعلية بعض الأصناف المحلية.
غياب القطاع العام
في خضم «الزخم الاستثماري، غاب الحديث عن أوجه الدعم المقدم للقطاع العام، الذي كان ولا يزال عموداً فقرياً في تأمين الدواء بأسعار معقولة للفئات الأكثر احتياجاً.
ويشير هذا الوضع، ولا سيما بعد توقف تاميكو «مؤقتاً» منذ آذار، إلى أن «التسهيلات» الحكومية تستهدف كبار المستثمرين فقط، ولا تشمل تعزيز قدرات المعامل الحكومية وتحديث خطوط إنتاجها، خاصة في مجالات الأدوية النوعية والسرطانية.
فالحديث عن دعم قطاع الصناعات الدوائية المحلية ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة صحية ووطنية، لضمان سد الاحتياجات، واستمرار وصول الدواء الآمن والفعال للمواطنين بأقل كلفة ممكنة، خاصة الغالبية المفقرة، والتي تشمل أيضاً مرضى الأمراض المزمنة من كبار السن والمتقاعدين، الذين باتوا يشكلون شريحة واسعة تعاني من ضعف الدخل وتزايد الاحتياجات الصحية.
التحديات والإمكانات
رغم الإجراءات الحكومية التي هدفت إلى تسهيل الاستثمار وتخفيف القيود، تبقى تحديات عدة قائمة، وعلى رأسها تذبذب سعر الصرف الذي يلقي بظلاله على تكاليف الإنتاج، واستمرار بعض القيود على استيراد المواد الأولية، وارتفاع تكلفة المواد الخام، ما يعطل سلاسة العملية الإنتاجية ويزيد من الأعباء التشغيلية.
كما يبقى ملف تطوير التقنيات الحديثة محوراً أساسياً، إذ إن القدرة على منافسة الأسواق الخارجية يتطلب ضخاً مستمراً للجديد في مجال الأصناف المصنعة محلياً.
وبالتالي يبقى نجاح هذه المساعي مرهوناً بقدرتها على ترجمة الإجراءات إلى دواء متاح وبجودة عالية وسعر معقول، خاصة في ظل استمرار نقص الأدوية وارتفاع تكاليفها. فالصناعة الدوائية هي قضية صحية ووطنية قبل أن تكون اقتصادية، واستدامتها لا تقاس بعدد المعامل والمستثمرين أو الأرباح فحسب، بل بقدرتها على توفير دواء آمن وفعال ومتاح لكل المواطنين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1283
نور الإبراهيم