بسيلا الزيتون تغزو إدلب... والفلاح يدفع الثمن
منية سليمان منية سليمان

بسيلا الزيتون تغزو إدلب... والفلاح يدفع الثمن

في مشهد مؤلم ينذر بكارثة حقيقية، تغزو حشرة «بسيلا الزيتون» بساتين إدلب، محولة أشجار الزيتون إلى شاهد على فشل سياسات المكافحة وتجاهل معاناة الفلاح الذي يدفع فاتورة التقصير والإهمال الرسمي كل موسم مع أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية.

 

الأرقام تتحدث


حسب ما ذكرته مديرية زراعة إدلب لوكالة «سانا» بتاريخ 4/6/2026، فقد بلغت المساحات المصابة نحو 2000 هكتار، أي ما يعادل 200 ألف شجرة موزعة في مناطق (حارم، سلقين، كفر تخاريم، وأرمناز)، نتيجة الظروف المناخية التي ساعدت على زيادة نشاط الآفة وانتشارها.
لكن الأرقام الرسمية «كالمعتاد» لا تعكس الحجم الحقيقي للكارثة، فقد كشف رئيس دائرة زراعة حارم، المهندس «صلاح حيدر»، عن نسب إصابة تراوحت بين 5 و100%، واصفاً مستوى الإصابة هذا الموسم «بالصادم»، ومؤكداً أن الضرر الأكبر كان في الأشجار ذات الحمل الجيد.
إنها أرقام مخيفة، لكن الأدهى أنها لم تكن مفاجئة، فالظروف المناخية الاستثنائية التي شهدتها المنطقة، من ارتفاع نسب الرطوبة واستمرار هطول الأمطار خلال فصل الربيع إلى انخفاض درجات الحرارة، كانت مؤشرات تنذر بكارثة وشيكة، فلماذا لم تكن هناك خطة استباقية لمديرية الزراعة؟ ليقتصر الدور الرسمي على مجرد جولات تفتيشية شكلية «متأخرة» للرصد والتقييم!


خطر على الحاضر والمستقبل


تتغذى الحشرة على الأزهار والبراعم، مفرزة مادة شمعية تعيق التلقيح وتؤدي إلى جفافها وتساقطها، مع انخفاض نسبة العقد والإثمار مما ينعكس مباشرة على كمية الإنتاج وجودته، وفي حالات الإصابة الشديدة قد تصل الخسائر إلى 30-60% من المحصول.
كما لا يقتصر الضرر على الموسم الحالي، بل يمتد إلى إضعاف الأشجار مستقبلاً، ما يهدد إنتاجية الأعوام القادمة.
والأخطر (حسب خبراء)، أن الحشرة تنتقل بوساطة التيارات الهوائية، مما يجعل إدلب مجرد نقطة انطلاق نحو مناطق أخرى وخاصة عند اشتداد الرياح، مهددة محصول الزيتون والاقتصاد الوطني ككل، خاصة أن الزيت منتج تصديري بامتياز.


المكافحة المتأخرة، وفوضى السوق السوداء


يكمن جوهر الأزمة حسب أحد المزارعين في ضعف المكافحة والتي لا تقتصر على جودة المبيدات، بل تشمل أيضاً غياب التنسيق الزمني وعدم توحيد مواعيد الرش بين المزارعين، مما يجعل الحقول غير المعالجة بؤراً لإعادة انتشار الحشرة.
أما الأزمة الحقيقية فتتمثل في الفوضى التي يشهدها سوق الأدوية الزراعية، حيث تعدد الشركات والأسماء التجارية أشعل منافسة حادة بين الصيدليات الزراعية وخاصة مع زيادة الطلب، ما دفع كثيراً من المزارعين إلى شراء أصناف رديئة لكنها أرخص سعراً، الأمر الذي أفقد عمليات الرش فاعليتها.
وهنا تبرز القصة الأكثر إيلاماً؛ الفلاح «الحلقة الأضعف»، يجد نفسه بين مطرقة ارتفاع تكاليف الإنتاج وسندان غياب الدعم الرسمي، ففي الوقت الذي يحتاج فيه إلى مبيدات موثوقة من شركات عالمية معتمدة، يضطر إلى اللجوء إلى السوق السوداء حيث تُستغل حاجته، ليجد بعد جهد ومال أن الآفة ما زالت تنخر في محصوله.


تهديد للموسم والاقتصاد


الخسارة ليست وليدة اللحظة؛ فالفلاح الذي راهن على موسمه، يرى محصوله يتآكل أمام عينيه، مهدداً مصدر رزقه الوحيد، مع مخاوف متزايدة من انتقال العدوى إلى مناطق جديدة، مما يعني كارثة مضاعفة للمزارع والمستهلك والاقتصاد الوطني.
إن بسيلا الزيتون ليست مجرد آفة موسمية، بل مرآة لفشل مؤسسي، وتذكير بأن الفلاح السوري، يُترك دوماً وحيداً في مواجهة تحديات الطبيعة والفوضى، بينما يتغيب الدور الرسمي في اللحظة الأشد احتياجاً.
أما آن الأوان للانتقال من ردود الفعل إلى الفعل الاستباقي؛ بتوفير مبيدات مدعومة، وتوحيد جهود المكافحة، وإطلاق حملات إرشادية مبكرة، وتعويض المتضررين والتحرك سريعاً لإنقاذ ما تبقى، أم ستبقى الآفات تنهش المحصول عاماً بعد عام، ويظل الفلاح ضحية الإهمال الرسمي، والاقتصاد الوطني يخسر تدريجياً أهم محاصيله الاستراتيجية أمام المرأى والمسمع الرسمي!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283