استثمار الأندية الرياضية... رعاية المواهب في صالات البورصة
أُصيب وزير المالية بما يمكن أن نسميه «نشوة جماهيرية» بعد أن شهد مباراة حماسية «امتلأت فيها إحدى الصالات الرياضية عن آخرها»، وقرر أن الوقت قد حان لتحويل هذه المشاعر إلى منتج قابل للتداول.
والفكرة، كما وصفها، «تسهم في جذب الاستثمارات، وتطوير الرياضة، ودعم التنمية، وتخفيف الأعباء المالية عن الدولة.»
باختصار، يبدو أنه يريد بيعنا الحماس الجماهيري، ويحمّلنا فوقها فاتورة التعافي التي يفترض أن تحملها الدولة.
الجماهير «الشريكة»!
يقترح الوزير نموذج «الشركات المساهمة العامة» بمشاركة الجماهير. والواقع، أن الجماهير في سورية اليوم، بالكاد تؤمّن لقمة عيشها.
ومع انعدام الملاعب والاستادات الصالحة لممارسة الرياضة، أو بث تلفزيوني مربح، أو سوق تسويقية داخلية، لن يسيل لعاب أي مستثمر خارجي؛ وبأفضل أحلام الوزارة ستأتي قلّة من رجال الأعمال وتشتري الأسهم بأموال عامة غير مباشرة، لتعاد خصخصتها لاحقاً باسم «الاستثمار»، فتصبح النوادي ملكية خاصة لشخصيات نافذة.
وهذه ليست سخرية، بل سيناريو رآه العالم في خصخصة أندية عالمية.
أعباء الدولة
بدلاً من أن تستثمر الدولة في البنية التحتية الرياضية كجزء من «الخدمات العامة»، تماماً مثل الصحة والتعليم، تقول الآن للمواطن: «إذا أردت نادياً، فادفع!»
فالحضور الجماهيري، الذي أدهش الوزير فأحاله لحسابات دولارية، ليس دليلاً على وجود «سوق استثمارية واعدة»، بل دليل على أن الناس يريدون متنفّساً مجانياً أو منخفض التكلفة.
ثم إنه استشهد «بالمستوى الفني العالي»، و«الندية والحماس». لكن هل سيبقى هذا المستوى عندما تُحرم الأندية من دعم الدولة وتُترك للجماهير الفقيرة والمستثمرين الجشعين؟
تسليع الفرح!
يقول الوزير إن الفكرة ستساهم في «رعاية المواهب والاستفادة من القيمة التسويقية الكبيرة». لنترجم:
- رعاية المواهب تعني أننا لن ندرب الأطفال مجاناً، وسنفرض رسوماً، ومن يملك يمارس الرياضة ويلعب.
- القيمة التسويقية تعني أننا سنبيع أسماء اللاعبين، وأسماء الملاعب، والبطولات، لأعلى مزايد.
والنتيجة هي القضاء على الجانب الاجتماعي والروحي للرياضة، وولادة «صناعة ترفيه» تخدم الإعلانات والرعاة، ومع الوقت تتآكل هوية الأندية المحلية لصالح علامات تجارية.
فكرة جهنمية... فعلاً!
تفاجأ الوزير «بامتلاء الصالة»، ولم يفاجئه أن الناس تقبع تحت وطأة الجوع... فاجأه أن هناك حماساً مجانياً يمكن تسليعه وبيعه.
والحقيقة أن فكرته هذه ليست جديدة ولا مبتكرة؛ إنها اجترار لنموذج فاشل جربته دول كثيرة، وانتهى إلى تضخيم أجور اللاعبين، وإفلاس الأندية الصغيرة، وتحويل الرياضة إلى حلبة صراع مالي لا روح فيها.
وما تحتاجه الجماهير، وقطاع الرياضة، هو إعادة بناء بعد عقود من الفساد، وبأموال الدولة وليس «بأسهم» الناس!
فقد أثبتت التجارب أن الخصخصة الرياضية لا تبني الملاعب، ولا تكتشف المواهب؛ وتضع النوادي في رحم تقلبات السوق. وربما كان الأجدر بالوزير البحث عن «فرص استثمارية» في قطاعات منتجة حقيقية، كالصناعة والزراعة، بدلاً من محاولة تسليع مساحات الأنشطة والفرح المتبقية للسوريين.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280
فرح شرف