الزيادة النوعية في القطاع العام... عدالة منقوصة وتمييز يهدد الاستقرار الوظيفي

الزيادة النوعية في القطاع العام... عدالة منقوصة وتمييز يهدد الاستقرار الوظيفي

كان من المفترض أن يشكل المرسوم رقم 68 لعام 2026 خطوة باتجاه تحسين أوضاع العاملين في القطاع العام والتخفيف من آثار الأزمة المعيشية الخانقة. إلا أن طريقة تطبيق «الزيادة النوعية» أثارت موجة واسعة من الاستياء بين آلاف العاملين الذين وجدوا أنفسهم مستبعدين من هذه الزيادة رغم أنهم يشكلون جزءاً أساسياً من منظومة العمل في مؤسسات الدولة.

فبينما شملت الزيادة فئات وظيفية محددة في عدد من الوزارات والجهات العامة، حُرم منها الإداريون والمهندسون والفنيون والسائقون وعمال الخدمات والمستخدمون، وأُحيلوا إلى الزيادة العامة الأقل بكثير من حيث القيمة والأثر المعيشي. وبهذا لم تعد القضية مجرد تحسين أجور، بل تحولت إلى قضية عدالة وظيفية ومساواة بين العاملين داخل الدولة.
إن أخطر ما أفرزته الزيادة النوعية بصيغتها الحالية هو تكريس التمييز داخل المؤسسة الواحدة.
فكيف يمكن تبرير وجود موظفين يعملون تحت سقف واحد، ويتحملون مسؤولية مشتركة في إنجاز العمل العام، ثم يحصل بعضهم على زيادات كبيرة فيما يُستبعد الآخرون بسبب اختلاف المسمّى الوظيفي فقط؟
وكيف يمكن الحديث عن تطوير الإدارة العامة فيما يجري تجاهل فئات تمثل العمود الفقري للعمل اليومي، من إدارة وأرشفة ومحاسبة ومتابعة قانونية وهندسية وفنية وخدمية؟
ولم يتوقف التفاوت عند حدود المؤسسة الواحدة، بل امتد بين الجهات العامة نفسها، حيث تحولت بعض المؤسسات إلى جهات ذات امتيازات مالية خاصة، فيما بقي العاملون في جهات أخرى يواجهون الظروف الاقتصادية ذاتها دون أي تحسين حقيقي في دخولهم. وهو ما يكرس فجوة متزايدة بين العاملين في الدولة ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة الوظيفية.
إن استمرار هذا النهج ستكون له آثار سلبية عميقة، أبرزها تراجع الحافز والإنتاجية، وازدياد الشعور بالغبن والاحتقان، وتشجيع انتقال الكفاءات نحو الجهات الأفضل أجراً، فضلاً عن إضعاف الانتماء الوظيفي لدى شرائح واسعة تشعر بأن جهودها لا تحظى بالتقدير.
ومن هنا تبرز مطالب المتضررين بضرورة...
تعديل لوائح المرسوم 68 بما يضمن شمول الإداريين والمهندسين والفنيين والسائقين وعمال الخدمات والمستخدمين بالزيادة النوعية.
إنهاء التمييز بين العاملين داخل المؤسسة الواحدة واعتماد معايير أكثر عدالة في الأجور.
معالجة الفوارق الكبيرة بين الجهات العامة ومنع نشوء مؤسسات «مميزة» مالياً على حساب مؤسسات أخرى.
الإسراع في إقرار نظام وطني موحد للأجور يحقق العدالة ويعتمد على طبيعة العمل والمسؤولية والكفاءة لا على الاستثناءات والتصنيفات الضيقة.
إن أي إصلاح حقيقي لمنظومة الأجور يجب أن يقوم على الشمول والإنصاف، لا على منح الامتيازات لفئات وحرمان أخرى. فالعدالة الوظيفية لا تتحقق عندما يتحسن دخل بعض العاملين فقط، بل عندما يشعر جميع العاملين بأن الدولة تنظر إليهم بالمعيار ذاته وتقدر دورهم المتكامل في استمرار المرفق العام. أما الإبقاء على هذا التمييز الفج في الرواتب والمزايا، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشعور بالظلم وإضعاف ما تبقى من استقرار وظيفي داخل القطاع العام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280