شحنات الكبريت العراقي عبر مرفأ طرطوس... فرصة الترانزيت ومخاطر السلامة الصناعية
في ظل التوجه المتزايد نحو إعادة تفعيل مرفأ طرطوس كمركز ترانزيت إقليمي على البحر المتوسط، برزت شحنات الكبريت القادمة من العراق عبر الأراضي الأردنية كأحد أبرز أنماط الحركة التجارية الجديدة، مع حديث عن كميات إجمالية قد تصل إلى نحو مليون طن يتم نقلها على شكل دفعات متتالية خلال فترة زمنية ممتدة. وبينما يحمل هذا المسار بعداً اقتصادياً واضحاً من حيث تنشيط حركة العبور البري والبحري وتعزيز دور المرفأ في التجارة الإقليمية، فإنه في الوقت نفسه يفتح باباً واسعاً للنقاش حول الجاهزية الفنية والبنية التشغيلية اللازمة للتعامل مع مواد تصنف ضمن البضائع الخطرة عند تداولها بكميات صناعية كبيرة.
المشاهد المتداولة لعمليات النقل والتفريغ تظهر اعتماداً واضحاً على منظومة تقليدية تبدأ بوصول الشحنات عبر الشاحنات البرية، ثم تفريغها باستخدام الرافعات الميكانيكية، قبل أن يتم تحميل الأكياس داخل عنابر سفن الشحن وتكديسها فوق بعضها البعض داخل مساحات تُوصف بأنها مفتوحة أو شبه مفتوحة من حيث التهوية. هذا النمط من المناولة ليس جديداً في مرافئ المنطقة، لكنه يظل أقل تطوراً من الأنظمة الحديثة التي تعتمد على النقل المغلق والتفريغ الميكانيكي المحكم وتقليل التعرض المباشر للمواد والغبار في جميع مراحل العملية.
خطورة الكبريت لا تكمن في كونه مادة شديدة الانفجار بحد ذاته، بل في سلوكه الفيزيائي والكيميائي عند تحوله إلى غبار ناعم أو عند تعرضه لظروف تشغيل غير مثالية. فالغبار المتطاير في الهواء، مع وجود مصدر شرارة بسيط أو احتكاك ميكانيكي أو كهرباء ساكنة، يمكن أن يشكل بيئة قابلة للاشتعال السريع، خصوصاً داخل أماكن مغلقة أو ضعيفة التهوية مثل عنابر السفن أو مخازن الشحن. وعند الاشتعال، لا يقتصر الأمر على حريق موضعي، بل قد يترافق مع انبعاث غازات سامة مثل ثاني أكسيد الكبريت، إضافة إلى احتمال توسع الحريق نتيجة استمرار توفر المادة القابلة للاحتراق وتراكم الغبار في طبقات متتالية.
المخاوف التقنية في مثل هذا النوع من العمليات ترتبط أيضاً بالفجوة المحتملة بين الواقع التشغيلي والمعايير الدولية المعتمدة في إدارة البضائع السائبة الخطرة، والتي تنص عادة على ضرورة استخدام أنظمة نقل مغلقة أو شبه مغلقة، وتطبيق صارم لإجراءات التحكم بالغبار، وتوفير أجهزة كشف مبكر للحرارة والغازات، إضافة إلى تجهيزات إطفاء صناعي متقدمة وخطط استجابة طوارئ مدروسة ومختبرة. غير أن طبيعة العمليات الظاهرة في المرفأ تشير إلى اعتماد كبير على الأساليب التقليدية في التحميل والتكديس، ما يجعل مستوى الأمان مرتبطاً بشكل مباشر بدقة التنفيذ اليومي للإجراءات وسرعة الاستجابة لأي خلل محتمل أكثر من كونه ناتجاً عن منظومة تقنية متكاملة مغلقة بالكامل.
ومع توسع البرنامج التصديري ليشمل كميات قد تصل إلى مليون طن موزعة على دفعات متكررة، فإن العامل التراكمي يصبح جزءاً أساسياً من معادلة المخاطر، إذ إن تكرار عمليات التحميل والتفريغ بشكل مستمر يرفع من احتمالية الأخطاء البشرية أو التقنية، ويزيد من فرص تراكم الغبار أو حدوث احتكاكات غير محسوبة، خاصة في بيئة عمل تشهد ضغطاً تشغيلياً مستمراً. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الخطورة مرتبطة بشحنة واحدة أو حادث منفرد، بل بسلسلة عمليات متكررة قد تتحول فيها الهفوات الصغيرة إلى عوامل تراكمية ذات أثر كبير.
إن الإشكالية الأساسية لا تكمن في الجدوى الاقتصادية لمرور هذه الشحنات عبر المرفأ، بل في مدى وضوح وكفاية البنية التنظيمية والفنية التي تحكم التعامل مع مواد من هذا النوع ضمن نطاق تشغيلي واسع ومكثف. فنجاح أي مرفأ في التحول إلى مركز ترانزيت إقليمي لا يعتمد على حجم البضائع التي يعالجها فقط، بل على قدرته على إدارة المخاطر المرتبطة بها وفق معايير دولية واضحة وشفافة، تضمن ألا يكون التوسع في النشاط التجاري على حساب مستوى السلامة الصناعية والبيئية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280