استيراد العجول للذبح... حل مؤقت أم تهديد لمستقبل الثروة الحيوانية؟
أثار وصول أكثر من 800 عجل مستورد من مولدوفا إلى سورية قبل عيد الأضحى، معدّة للذبح المباشر، نقاشاً واسعاً حول جدوى هذا النوع من الاستيراد وتأثيره على قطاع الثروة الحيوانية المحلي. فبينما يُسوّق لهذه الخطوة على أنها وسيلة لزيادة العرض وخفض أسعار اللحوم، فإن آثارها الاقتصادية والإنتاجية تستحق قراءة أعمق من مجرد النتائج الآنية في السوق.
لا شك أن استيراد العجول يساهم في زيادة المعروض وانخفاض الأسعار نسبياً لفترة محدودة، وهو ما يحقق فائدة مباشرة للمستهلك، كما يوفر أرباحاً جيدة وسريعة للشركات المستوردة التي تستفيد من التسهيلات الممنوحة لها والرسوم الجمركية المخفضة تحت شعار تعزيز التنافسية. إلا أن هذه المكاسب تبقى قصيرة الأجل، لأنها لا تضيف أي قيمة إنتاجية مستدامة للثروة الحيوانية الوطنية.
في المقابل، يجد المربي السوري نفسه في مواجهة منافسة غير متكافئة. فهو يتحمل تكاليف مرتفعة للأعلاف والمحروقات والأدوية والخدمات البيطرية، في وقت يدخل فيه المنتج المستورد إلى السوق بتكاليف أقل وشروط أكثر مرونة. والنتيجة هي تراجع هامش الربح لدى المربين، واضطرار بعضهم إلى تقليص قطعانهم أو الخروج من المهنة، ما ينعكس سلباً على حجم الإنتاج المحلي في المستقبل.
تكمن المشكلة الأساسية في أن العجول المستوردة للذبح تُستهلك مباشرة ولا تسهم في زيادة أعداد القطعان أو تحسين إنتاجيتها، بينما تحتاج البلاد إلى سياسات تدعم تنمية الثروة الحيوانية لا استبدالها تدريجياً بالاستيراد. فالمصلحة الوطنية تقتضي توجيه التسهيلات نحو استيراد الأبقار الحلوب وسلالات التربية والتكاثر عالية الإنتاجية، بما يساهم في زيادة أعداد القطعان وتحسين إنتاج الحليب واللحوم وتنشيط الصناعات الغذائية المرتبطة بها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحفاظ على السلالات المحلية الأصيلة، وفي مقدمتها البقر الشامي، الذي يمثل ثروة وراثية واقتصادية مهمة بفضل قدرته على التأقلم مع البيئة المحلية وتحمله للظروف المناخية والإنتاجية الصعبة. إن تراجع أعداد هذه السلالة نتيجة ارتفاع تكاليف التربية وضعف الدعم يشكل خسارة وطنية تتجاوز الجانب الاقتصادي إلى فقدان مورد وراثي استراتيجي ينبغي الحفاظ عليه وتنميته.
إن دعم المربين وتأمين الأعلاف ومستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، إلى جانب برامج التحسين الوراثي والحفاظ على السلالات المحلية، يمثل استثماراً طويل الأمد في الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. أما الاعتماد المتزايد على استيراد الحيوانات المعدّة للذبح، فقد يوفر حلولاً مؤقتة للأسعار، لكنه لا يبني قطاعاً منتجاً ولا يضمن استدامة توفير اللحوم والحليب مستقبلاً.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة الاستيراد، بل في بناء سياسة متوازنة تحمي المنتج المحلي، وتدعم المربين، وتحافظ على القطعان الوطنية، وتحوّل الثروة الحيوانية من قطاع يعاني من التراجع إلى قطاع منتج وقادر على النمو والمنافسة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1280