ثلاثية العبث البيئي والتهديد الصحي، جريمة بتوقيع رسمي!
رهف ونوس رهف ونوس

ثلاثية العبث البيئي والتهديد الصحي، جريمة بتوقيع رسمي!

في المشهد السوري المثقل بأزماته، تتسلل كارثة بيئية وصحية صامتة لا تقل فتكاً عن أي حرب، إنها حرب المخلفات الصناعية التي تحولت فيها مياه الأنهار والسدود إلى مصائد للموت البطيء، فهي مسرحية عبثية رسمية متكررة، يدفع المواطن فيها وحده الثمن من صحته وأرضه ومائه.

سد «سوحا»


في ريف حماة الشرقي، يقف هذا السد شاهداً على جريمة بيئية مكتملة الأركان، حيث يحوّله الصرف الصناعي العشوائي لمعامل الأجبان والألبان إلى مستنقع آسن يهدد قرى «سوحا وعكش»، فشكاوى الأهالي تتكرر أمام معاناتهم اليومية من الروائح الكريهة وتلوث مصادر مياه الشرب السطحية والجوفية التي باتت «غير صالحة للاستخدام البشري»، فالكميات الهائلة من «مياه مصل» الألبان والأجبان تنذر «بكارثة بيئية وصحية خطِرة»، وهذا ما أكده مدير البيئة في حماة، «عصام يحيى الخطيب» لصحيفة «الوطن» بتاريخ 12/5/2026، كما كشف «ببرود» عن حقيقة الصلاحيات، وقصور دورهم على «تنفيذ جولات تفتيش بيئي حسب الإمكانات المتاحة»، وكأننا أمام رفاهية إدارية لا جريمة تُرتكب بحق البشر والحجر، مع الاكتفاء بحلول ترقيعية «شفط المخلفات» وإقامة «السواتر الترابية» في مشهد هزلي كمن «يرش العطر على ورم خبيث».


«التطوير» رخصة للتسميم


لم ينتهِ مسلسل العبث بعد، فما يجري في ريف حمص الجنوبي هو «استهتار منظم»، ففي الوقت الذي يئن فيه «وادي الربيعة» القريب من المدينة الصناعية بحسياء من الروائح الكريهة والمخاوف المشروعة للأهالي من تلوث تربتهم الزراعية ونهر العاصي، خرج الرد الرسمي لإدارة المدينة الصناعية والذي أكده مديرا الموارد المائية والبيئة في حمص وفق تصريح لصحيفة «الثورة» بتاريخ 24/5/2026، كمن يزف «بشرى سارّة» بأن محطة المعالجة المركزية متوقفة «مؤقتاً» من أجل تنفيذ مشروع «استثماري» جديد يهدف إلى «أتمتها وتطويرها».
هذه «الفجاجة» لا تحتاج إلى تحليل لفهمها؛ إنه إعلان صريح بأن صحة الناس وأمنهم المائي والغذائي مؤجل إلى إشعار آخر، وحسابات «الاستثمار» المُحتفى بها تعلو فوق الحق في الحياة.
كذلك أكد الخبير المائي «عمر الشمالي»، أن أخطر آثار التلوث تكمن في تلوث المياه الجوفية الذي يحتاج اكتشافه إلى مراقبة وتحاليل مستمرة، بينما معالجته معقدة ومُكلفة وقد تستغرق سنوات طويلة، ومع ذلك، تقف الجهات المعنية المانحة للتراخيص «متفرجة» وكأن قانون حماية البيئة مجرد «حبر على ورق»، ما يشير إلى التفاف فاضح على الشروط لمصالح بعض الناهبين والفاسدين!


نهر البليخ... قصة تلوث بلا نهاية


ولأن الفوضى لا تعرف حدوداً، تتكرر المأساة في ريف الرقة حيث يتحول نهر البليخ، المغذي لنهر الفرات، إلى مصرف للملوثات الصناعية والصحية والزراعية. الكارثة هنا تتخذ بعداً مركباً؛ فبحسب تصريح رئيس وحدة مياه معدان «سامر السيد» لصحيفة «الثورة» بتاريخ 19/5/2026، «إن غياب شبكات الصرف الصحي الحقيقية يدفع الأهالي إلى تصريف المياه الملوثة نحو المصارف الزراعية التي تنتهي في النهر، إلى جانب تعطل محطات المعالجة وخروجها عن الخدمة، أي إن محطة مياه «المغلة»، التي تغذي نحو 50 ألف نسمة، تعمل في ظروف مأساوية حيث وسيلة المعالجة الوحيدة المتوفرة هي «مادة الكلور» فقط أمام «محدودية الإمكانيات»، وهنا تظهر الجريمة في أفظع صورها؛ معايير مزدوجة وفساد في التخطيط، ومنح الرخص للمعامل للتخلص من نفاياتها دون محطات معالجة داخلية حقيقية، ليُترك المواطن المفقر لمصيره.
وهنا التساؤل المُلّح عن النفايات الطبية الخطِرة والمخبرية التي لا تقل فتكاً ومخلفات المعاصر وغيرها، فهل يتم التعامل معها بالطريقة البدائية ذاتها التي تحوّل التربة والمياه إلى قنابل موقوتة من الأمراض المستعصية؟!


من يمنح رخصة الموت البطيء؟


إن ما يجري ليس حوادث معزولة، بل انعكاس لخلل بنيوي ممنهج قوامه الفساد المستشري في حلقات منح التراخيص للمنشآت الصناعية على اختلافها وغياب الرقابة الفعالة، والاستهتار الرسمي الذي يقلب الأولويات رأساً على عقب؛ الاستثمار قبل الصحة، والترقيع بدلاً من الحل الجذري، والتصريحات المطمئنة بينما الواقع يراوح مكانه!


المطلوب


الحل ليس في «سواتر ترابية وجور غير فنية»، ولا في وعود بتشغيل محطة هنا أو هناك.
المطلوب، تغيير جذري:
محاسبة كل من منح رخصاً لمنشآت لا تملك أنظمة معالجة داخلية منذ اليوم الأول، واعتبار ذلك جريمة فساد كبرى.
إلزام جميع المعامل والمشافي والمعاصر وغيرها من المنشآت بمعالجة مسبقة لمخلفاتها قبل أن تصل إلى أي محطة مركزية، مع عقوبات فورية تصل إلى حد إلغاء الترخيص للمخالفين.
فصحة المواطن أولوية قبل أي مشروع «استثماري». فقد اكتفى المواطنون من كونهم فئران تجارب لسموم لا يُعرف حتى أسماؤها، ولترتعد فرائص كل من يرى في صمتهم موافقة على موتهم البطيء.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280